قضية حصول الدعاة والعلماء على أجر مقابل عملهم الدعوي من القضايا التي كانت ومازالت محل خلاف بين علماء الدين، فبينما يرى فريق أنه لا يجوز تلقي أجر مقابل الدعوة إلى الله باعتبار أن الدعاة هم ورثة الأنبياء يبلغون رسالات الله، ومن ثم فلا يحق لهم أن يحصلوا على أموال من وراء القيام بهذه المهمة.
إلا أنه على الجانب الآخر فهناك من يرى أحقية الدعاة والعلماء في الحصول على أجر مادي، مبررين ذلك بأن الدعوة مع تطور الزمن تحولت إلى وظيفة يقطع لها الداعية وقته وينفق الكثير من الأموال في تحصيل العلم، وبالتالي فإن تحصيل أجر على قيامه بأمور الدعوة أمر جائز، ولا شيء فيه من الناحية الشرعية. وما بين المؤيدين لأخذ الأجر والرافضين له أثار الدكتور أبوالقاسم رشوان - الأستاذ بكلية دار العلوم الجدل حول هذه القضية من خلال تأكيده على تشديد آيات القرآن الكريم على عدم تلقي الدعاة والعلماء ـ الذين هم ورثة الأنبياء لأجر لقاء دعوتهم للناس، مشيرا إلى أن اتجاه دعاة الفضائيات لاستحلال الأموال الطائلة التي يتقاضونها ثمنا لنصحهم وإرشادهم للمسلمين، ينطبق عليهم قول الله تعالى بأنهم{اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا}.
وأكد أبو القاسم أن من أهم أسس العمل الدعوي طبقا لما جاء في القرآن الكريم أن تكون الدعوة خالصة لوجه الله تعالى، وليس لأي نوع دنيوي، كما جاء على لسان الأنبياء فنبي الله نوح عليه السلام حينما كذبه قومه أخبرهم بأنه لا يريد أجرا على هدايتهم، وإنما هو فقط رسول من الله يحاول إرجاعهم إلى الطريق الصحيح.. يقول الله تعالى {كذبت قوم نوح المرسلين* إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون* إني لكم رسول أمين* فاتقوا الله وأطيعون* وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين}، وتكرر هذا الوصف مع أنبياء الله هود وصالح ولوط الذين جاء ذكر قصصهم في سورة الشعراء بالإضافة إلى تكرار 18 نبيا في سورة الأنعام ينهون عن أخذ أجر على دعوة الناس إلى طريق الحق وإلى الصراط المستقيم.
دعوة الأنبياء
وأشار أبوالقاسم إلى أنه يجب على الداعية ألا يسأل شيئا لنفسه من أحد وأن تكون الدعوة بلا مقابل لأن كل الأنبياء بداية من سيدنا نوح عليه السلام وحتى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كلهم لم يعرف عن أحدهم أنه حصل على مال من أحد مقابل القيام بأعمال الدعوة، وكل هدفهم كان نشر دين الله وطلب الأجر منه سبحانه وتعالى. واعتبر عدم طلب الأنبياء لأجر دليلا على تحريم ما يتقاضاه الدعاة الآن من أجور لقاء نصحهم وخدمتهم للمسلمين، قائلا: إن أخذ أجر على الدعوة يحولها إلى سلعة وتجارة لا رسالة وأمانة.
وظيفة دينية
من جانبه أكد الدكتور أحمد محمود كريمه - أستاذ الشريعة الإسلامية أن الدعوة في الماضي كانت عملا دينيا يتقرب به الداعي الى الله عز وجل، إلا أنها ومع تقدم الزمن وتطور الحياة أصبحت مهنة ووظيفة دينية وصارت في حاجة إلى تخصيص بعض الأشخاص المؤهلين دينيا للقيام بها.
وأضاف أن الفقهاء قرروا أن محفظ القرآن والمؤذن والواعظ والإمام يجوز لهم أن يحصلوا على أموال من بيت المال نظير «الاحتباس» أي مقابل تفرغهم لممارسة الدعوة، فالداعية أو العالم عادة لا يملك موردا آخر للرزق سوى الدعوة، أما من أغناهم الله من فضله فهؤلاء من باب الورع يستحب ألا يأخذون الأموال مقابل اقتطاع جزء من وقتهم في إرشاد الناس وحثهم على طاعة الله ونشر مبادئ الدين بين الناس.
وأشار إلى اختلاف أحوال الدعاة الآن عما كانوا عليه قديما حينما كانت لهم مخصصات مالية تصرف لهم من بيت المال حتى تكفيهم السؤال، وأن معظم الدعاة الآن يؤدون أعمالهم في ظروف لا تتوافر فيها الإمكانات المطلوبة فمنهم من يذهب لأداء خطبة الجمعة أو المهام الدعوية في المسجد بوسيلة مواصلات، ومنهم من يتقاضى راتبا في الحدود الدنيا لا يستطيع أن يواجه به ظروف الحياة الصعبة.
وأوضح كريمه أن هناك تجارا للدعوة من النجوم في الفضائيات وأن هؤلاء لا يعدون من الدعاة الحقيقيين، وإنما توافر لهم دعم مالي ووساطة معينة وتبادل منافع مؤسسات استغلوا خلو الساحة من العلماء المؤثرين بعد غياب كبار العلماء من أمثال محمد الغزالي وعبد الحليم محمود والشيخ علي جاد الحق والشعراوي وغيرهم فوجدوا الساحة خالية وخاوية فهؤلاء لا يحسبون على الدعاة لا من قريب ولا من بعيد لأنهم أرادوا الأموال والهبات والعطايا وأصبحت لهم قصورا فاخرة.
الدعوة والحياة
الدكتور طه حبيش - أستاذ الفقه المقارن يقول: لا مانع من أن يجمع الداعية بين المصلحة الدنيوية والمصلحة الدينية لافتا الى أنه لا يوجد أي نص شرعي يمنع هذا بمعنى أن المتخصص في علم من علوم الشريعة لو كان يفيد الناس في الأحكام الشرعية ويخصص من وقته لتعليمهم فلا مانع من تلقيه أجرا على ذلك فتكون الفائدة المادية التي يحصل عليها نظير استقطاعه من وقته للقيام بهذا الأمر.
وأشار إلى أنه نظرا لصعوبة الظروف المعيشية الصعبة التي يعاني منها العديد من الناس فإن الدعاة شغلتهم الحياة عن الدعوة مما أدى إلى إحجام الكثيرين عن الدخول في هذا المجال، ولذلك فإن حصول الداعية والعالم على مبالغ مالية مقابل دعوته ربما يكون حافزا قويا لمن يفكر في الدخول إلى مجال الدعوة.
القاهرة- دار الإعلام العربية

