فتحت عينَيّ على وجهها الباسم وعلى نظرة من عينيها الحنونتين.. هي تلك المرأة التي جعلت لحياتي معنى في يوم من الأيام.. لم أعد أدرك ملامحها وكل ما يتراءى لي الآن أنها كانت كالحلم.. يعصف بمخيلتي.. قضيت سنواتي الأولى في أحضانها وبين دفء قلبها الحنون.. أذكر ذلك المكان.. والناس من حولي..
عالمي الماضي.. لم يتجاوز عمري وقتها الرابعة، إلى أن قررت أن تعود ولا اعلم إلى أين ولم يكن لي علم بأن القادم سيأسرني بقيود وأغلال.. الى ان جاءت لي يوماً وعيناها مليئة بالإحزان، لمتني لأحضانها وقالت يجب أن نعود للأوطان، للعالم الذي سنقاسي فيه يا بني المزيد من الآلام.. لم افهم ما تعني.
فأنا طفل لا افهم الألغاز وهذا الكلام، طرنا مثل تلك الطيور المهاجرة في تلك السماء، كنت اضحك لا يهمني ما سيكون من هذا الزمان، ولكن عيني في تلك المرأة وعيونها ملأى بالدموع والآهات، أمسكت يدها وكأني أعزيها، فعمري لا يتجاوز السنوات القليلة، كيف لي ان اعرف ما تعبره تلك الدمعات، وصلنا إلى الوطن وشفتاي توزعان البسمات لكل من هو حولي.
عند ذلك الباب الكبير وقفنا.. كنت أسمع نبض قلبها، واشعر بارتجاف يدها وحرارتها كالبركان.. أمسكت يدها وانتابني خوف يهز الوجدان.. خفت من الحاضر واشتقت للماضي المليء بالحنان والأمان، وما أن دخلنا حتى وقعت عيني على ذلك العجوز المتجهم الغضبان، وبصوته الذي هز الأركان قال: هل عدتِ يا من أهديتك عمري والأموال؟!.. من هذا الذي بين يديك، وأين الشهادة المنتظرة من سفرك لتلك البلدان.. أجيبي لماذا هذا الهدوء يا بنت فلان.. ردت بصوت يرتعش من شدة الخوف ويكاد لا يسمع للأذان.. هذا ابني! وتعالى الصراخ بين الاثنين..
ابتعدت من حضنها خوفا من تلك الأصوات وصرخات تتعالى في كل مكان.. إن كانت هذه أمي فأين أبي يا أماه؟! أين أبي يا منبع الحنان؟. وضعت يدي على إذني ودموعي تنهمر مني.. أي ذنب أي عار سببته لنا يا لعينة بين الناس؟.. من والده ولم لم يأتِ مثل الناس؟، وكان قلبي يصرخ بعالي الأصوات أجيبي يا أمي أجيبي أين أبي أجيبي.
وجاء إلي ومن عينيه تتطاير النيران ليمسك بيدي بقوة وكأنه يقطع العروق ويمنع الدم من السريان.. أخذني مبتعداً وأمي تصرخ به أن يعيدني لحضنها ولا يبعدني عنها وكانت ستصاب بالجنون، ووضعني معه وغادرنا ذلك المكان، واختفى عني ذلك الوجه الحنون إلى الآن، وضعني في دار للأيتام.. كيف لي أن أعود الى أمي وتلك الأحضان بعد مرور الأعوام.. كيف لي ان اعرف من أكون ومن أبي يا منان؟ هل جئت للكون بالحرام، أم أن كل ما حدث بالحلال.. أمي أين أنت؟! تعالي أجيبيني.. أرجوك أجيبي!.
مريم القايدي
