كشفت الأزمة المالية العالمية عن أن البنوك الإسلامية كانت هي الأقل تضررا من تداعيات الأزمة نظرا لعدم تعاملها بالربا ولانتهاجها سياسة مختلفة في التمويل والتعاملات المالية تختلف عن تلك التي تسير عليها البنوك العادية.
وترجع نشأة البنوك الإسلامية لأكثر من ثلاثين عاما وقد دفع انتشارها السريع في العالم لقيام البنوك العالمية الأجنبية بفتح أنشطة مالية لها وفق الشريعة الإسلامية كما حولت بعض البنوك العربية تعاملها للوجهة الإسلامية، لذلك تستحق هذه التجربة الدراسة والتأمل في واقعها لتقييمها ومعرفة عناصر القوة والضعف لديها. وحدة الدراسات في «البيان» عقدت ندوة بعنوان: «التمويل والتأمين الإسلامي: الواقع وآفاق المستقبل»: وقد وجهنا الدعوة لعدد من المصرفيين والأكاديميين والمهتمين بشان البنوك الإسلامية وذلك لمناقشة الوضع الذي تعيشه هذه البنوك وأسباب توسعها وانتشارها ومدى ما ستصل إليه هذه التجربة في المستقبل، وذلك وفق المحاور التالية:
المحور الأول: نشأة البنوك الإسلامية وكيفية تعاملها المالي والتمويلي. - المحور الثاني: حقيقة الفروق بين البنوك الإسلامية والبنوك العادية ومدى تأثر الجهتين بالأزمة المالية العالمية. - المحور الثالث : تقييم موضوعي للتجربة الإسلامية في التمويل والتامين والآفاق التي يمكن أن تصل إليه البنوك الإسلامية في المستقبل. - وقد تحدث المشاركون في الندوة عن نشأة البنوك الإسلامية وأجمعوا على أن البنوك الإسلامية ما زالت في مرحلة البدايات إلا أنها استطاعت تثبيت وجودها على الساحة الإسلامية والدولية، وحول تأثر البنوك الإسلامية بالأزمة المالية العالمية قال المتحدثون إن البنوك الإسلامية كانت اقل المتضررين بالأزمة نظرا لابتعادها عن التعامل بالمشتقات المالية وبسوق المستقبل المجهول وتحريمها لتجارة بيع الديون بما فيها من مخاطر. وفي الحلقة الأخيرة من الندوة نعرض لآراء المشاركين في الندوة حول المحور الثالث والمتعلق بمستقبل البنوك وعمليات التمويل الإسلامي وتاليا التفاصيل:
في إشارة إلى دور وسائل الإعلام بشأن الأزمة المالية العالمية قال الصحافي محسن راشد والذي حضر الندوة إن أي صحافي عادي يستقي معلوماته من وسائل الإعلام المقروءة أو المرئية وقد كان للإعلام دورا كبيرا في تفاقم الأزمة وإظهار أن السوق المالي في الدول الخليجية قد وقع وهذا بسبب اعتماد الصحافيين على تقارير غربية في معظمها وهي لم تنقل صورة حقيقية عن السوق، وأتمنى أن يكون دور الإعلام مختلفا وبعيدا عن نشر مثل هذه التقارير الغربية المغلوطة وينشر الحقيقة كما هي. محمد مصبح النعيمي: هناك عدة تحصينات للسوق في دبي ودولة الإمارات بشكل عام وعلينا ذكرها فسبب قوة سوق الإمارات يرجع إلى حصانة دبي، فالفرص التي كانت متاحة في دبي خلال السنتين الماضيتين منذ بداية الأزمة وعلم الحكومات والبنوك الغربية فيها كان وجود فرص كبيرة أدت إلى تجنب بعض المؤسسات والقائمين عليها لعدم التوجه للاستثمار خارج الدولة ولذلك يجب أن لا يهضم حق دبي في تجنب الأزمة العالمية حقيقة، رغم أن هناك من يقول ان دبي سرعت نشاطها أكثر عن اللزوم، وكذلك حافظت دبي على الأسواق في أزمات سابقة بفتح باب الاستثمار الأجنبي في المناطق الحرة في دبي ومع أن دولا عربية كمصر والسعودية جرى مهاجمتها عقب أحداث 2001 في أميركا إلا الإمارات سكت عنها بعد أسبوعين من الأزمة نظرا لوجود استثمارات أجنبية كبيرة عندنا ولها مصالح كثيرة في دولة الإمارات.
من ناحية ثانية فقد بدا الغرب يعي أن الاقتصاد الإسلامي هو الحل الأمثل وبدا العالم كله يقرأ عن الاقتصاد الإسلامي وقد طبقت ماليزيا نظاما إسلاميا متكاملا شمل الحكومة والمصرف المركزي ووزارة المالية نزولا إلى كل البنوك العاملة في الدولة سواء كانت بنوكا تقليدية أو إسلامية في ظل وجود قانون الإسلامي متكامل وناجح واعتقد أن المستقبل القادم هو للاقتصاد الإسلامي وليس فقط في دول الخليج والدول العربية والإسلامية وإنما في مختلف دول العالم خاصة إذا نظرنا إلى أن مؤشر داو جونز أصبح لديهم قائمة إسلامية كما أن بعض شركات تحويل الأموال أصبح لديه نظام إسلامي للتحويل كما اعترف العديد من البنوك العالمية بنظام الصيرفة الإسلامية باعتباره الطريق الحصين لمستقبل الاستثمارات العالمية.
د. محمد المطوع: ننتقل الآن لمناقشة المحور الثالث من الندوة والمتعلق بالتقييم الموضوعي للتجربة الإسلامية في التمويل والتأمين والآفاق التي يمكن أن تصل إليها البنوك الإسلامية مستقبلا.
تجربة ماليزيا
رحاب لوتاه: بالنسبة للتجربة الإسلامية أرى أنها ما زالت في مرحلة البدء وهناك مناح كثيرة لم تتطرق إليها فيما نسبة أكثر من 95% من عقودها هي عقود مرابحة ونسبة استخدام بقية العقود التي تكلمنا عنها نسبة قليلة جدا والغالبية تستخدم أسرع وأسهل طريقة بما يشبه عملية نقل ما هو موجود وعمل مثله وعلينا تفعيل عملية البحث والابتكار لاستخدام العقود الإسلامية لمصلحة العميل، وكذلك يجب الاهتمام بعمليات التمويل المتناهية الصغر فهي مناطق جيدة للتمويل الإسلامي بحيث يكون هناك بنوك متخصصة في هذا المجال لمساعدة الفقراء.
كما يقع على عاتق البنك الإسلامي واجب التوعية بالتمويل الإسلامي ومفهومه فالأرضية غير موجودة ومن المفروض أن تقوم جهات معينة ولجان متخصصة مشكلة من كل البنوك وشركات التأمين للتوعية بالمفاهيم الإسلامية، كما يجب تفعيل دور هيئات الفتاوى والرقابة الشرعية ونشر الفتاوى على المواقع الالكترونية باللغتين العربية والانجليزية وبشكل مبسط ومفهوم. من ناحية أخرى نحن نعاني من قلة المراجع والكتب التي تلخص التجارب الإسلامية مثل تجربة ماليزيا وما يحتاجه من خطوات لمن يريد إنشاء بنك إسلامي.
كما أن المعاهد المتخصصة في التمويل الإسلامي قليلة وللأسف فان دولا كبريطانيا تمنح شهادات متخصصة في التمويل الإسلامي ومن حقنا على جامعاتنا ومعاهدنا أن يكون فيها مثل هذه التخصصات، وكذلك فان وسائل الإعلام عليها القيام بدورها في نشر المعلومات والتحقيقات والبرامج حول عملية التمويل والتكافل الإسلامي، ويجب أن تختلف المعايير التي يتم فيها تقييم البنوك الإسلامية عن تلك التي يجري تقييم البنوك العادية فيها حتى نكون واضحين وعادلين مع البنوك الإسلامية.
محمد مصبح النعيمي: اتفق مع ما طرحته الأستاذة رحاب لوتاه فالتوعية ناقصة كما أن الأبحاث والاجتهادات قليلة ونحن بحاجة للإبداع فعالم الصيرفة عموما سواء التقليدي أو الإسلامي فيه الكثير من المنتجات ولكن المخرجات قليلة وأنا على علم بان الحلول موجودة ولكن تنقصها الاجتهادات فمعظم المجتهدين خلفيتهم الدراسية شرعية وفقهية وبحاجة للتطعيم بالمعلومات الاقتصادية لان أصحاب الاختصاص هم الأقدر على الإبداع واستنباط الأحكام، واعتقد أن البنوك الإسلامية تمر بمرحلة المراهقة وهي مرحلة قد تكون عاطفية ولكنها غنية بالتفكير والخيال وسوف تؤدي إلى انطلاقة قوية للصيرفة الإسلامية في المستقبل إن شاء الله.
د.معبد الجارحي: أتوقع أولا أن تنحسر الأزمة المالية العالمية في النصف الأول من عام 2009 وفي نهاية العام وبداية عام 2010 سوف تكون بداية الاستقرار والعودة للارتفاع، وبالنسبة للبنوك الإسلامية فقد كان أداؤها خلال عام 2008 متميزا والأرقام تشير إلى استمرارها في زيادة نصيبها من السوق في دولة الإمارات ودول الخليج العربية وأتوقع أيضا أن يتزايد حجم البنوك الإسلامية في السوق خلال عام 2009 بالرغم من الأزمة الاقتصادية العالمية.
ومن المتوقع أن ينمو التمويل الإسلامي ليصبح ثلث حجم التمويل في منطقة الخليج العربي في نهاية عام 2009 وان كان هذا الرقم لا يشمل الفروع الأخرى لمنتجات العمليات الإسلامية لدى البنوك التقليدية ولا يشمل البنوك السعودية وعددها ثلاثة بنوك وإذا ما أضفناها إلى بنوك المنطقة فقد تصل إلى ما بين 40 % ـ 45.
وأرجو أن تبدأ السلطات النقدية والرقابية بأخذ التمويل الإسلامي بأكثر جدية وان يعامل على أساس أنهم جزء هام من قطاع التمويل الكلي وان استقرار السوق وصحة الاقتصاد وسلامته تعتمد على حسن معاملة هذا القطاع، والشيء الثاني إننا نتهم دائما بأننا من أهل المرابحة لكن الأساليب الأخرى بدأت تطغى على المرابحة، فالمرابحة نجدها في البنوك الناشئة فقط ففي بنوك الإمارات الإسلامية نجد أن عنصر المرابحة ليس العنصر الغالب في التمويل، كما بدأت البنوك الإسلامية بالتعامل مع المشروعات الأصغر حجما وفي مصرف الإمارات الإسلامي إدارة خاصة تم إنشاؤها منذ أكثر من عام للتمويل الأصغر حجما.
الهيئات الشرعية
وهناك حاجة ماسة لتطوير نوعية المنتجات فنحن نقدم منتجات تمويل إسلامية وبالتالي فان جزءا كبيرا من المنتجات يعتمد على الناحية الشرعية لذلك لا بد من تطوير الهيئات الشرعية ويجب أن تتكون الهيئة الشرعية حسب وجهة نظري من متخصصين في الشريعة من جامعات مرموقة ومن المتفوقين في دراستهم وليس من أشخاص لم يدرسوا الشريعة على الإطلاق فانا عندما انضممت إلى سوق دبي المالي كأمين عام للهيئة الشرعية للسوق انضممت كاقتصادي وليس كخبير شرعي فيما الأعضاء في الهيئة هم كلهم من حملة الدكتوراه في الشريعة الإسلامية وكذلك الأمر في مصرف الإمارات الإسلامي جميع أعضاء الهيئة الشرعية هم من حملة الدكتوراه في الشريعة.
ولكن للأسف الشديد نجد في بعض المؤسسات الإسلامية ينتقي ملاكها أشخاصا من غير المتخصصين وغير عالمين في الشريعة، فالهيئة الشرعية يجب أن تتكون من أعضاء من حملة الدكتوراه في الشريعة ويساعدهم خبير اقتصادي لتقديم تصور صحيح للقضية التي يتناولونها، والتطور الجيد الملحوظ في الإمارات وجود مجلس مشترك للهيئات الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية وأرجو أن يتلقى المجلس الدعم وينصت له المسؤولون وخاصة البنك المركزي والسلطات الرقابية.
وبالنسبة لحجم سوق البنوك الإسلامية إن كان سيصل إلى الثلث في عام 2009 في الإمارات فإنني أتوقع أن يصل إلى النصف قبل عام 2015، وعلى المستوى العالمي أتوقع أن يصل حجم التمويل الإسلامي إلى 5 تريليونات دولار. وبالنسبة لقضية نشر الفتاوى التي ذكرتها الأستاذة رحاب فقد نشر بنك دبي الإسلامي فتاواه في 5 أجزاء وسوف ينشر مصرف الإمارات الإسلامي فتاواه قريبا.
أما حول قلة المراجع والمواقع الالكترونية فان للجمعية الاقتصادية الإسلامية موقعها والذي يتطور باستمرار وفيه كثير من مؤلفات الاقتصاديين الإسلاميين المتخصصين، وعن التدريب والتدريس فنحن بالفعل بحاجة لمؤسسة تدريبية وتعليمية في الإمارات وفي الخليج العربي لتخريج المتخصصين وبالنسبة لمصرف الإمارات الإسلامي فهو يقيم كل عام حوالي 30 دورة متخصصة في التمويل الإسلامي فالبنوك الإسلامية في الإمارات ودول الخليج العربي هي الأكثر تطورا في العالم ولديها خبرات متطورة وحديثة.
دور الاعلام
وبالنسبة للإعلام فنحن نطمع بتتبع الإعلام للتقارير التي تصدرها البنوك وشركات التمويل الإسلامية فمثلا يصدر مصرف الإمارات الإسلامي في تقريره السنوي جزءا عن صناعة التمويل الإسلامي في الإمارات ويشرح تطورات الصناعة المالية الإسلامية في الإمارات ولكن للأسف لم يلتقط الإعلام مثل هذه التقارير.
صالح الهاشمي: ما يربطنا في الإمارات ودول الخليج العربية مع العالم هم سرعة انتقال الأخبار والتي تختلف عما كانت عليه في الثلاثينيات من القرن الماضي حيث كانت الأخبار عندما تخرج من أميركا تحتاج لعدة أيام لتصل إلى أوروبا مثلا أما هذه الأيام فهي تصل في دقائق فلذلك فان العالم يتأثر بما يجري فيه في الوقت نفسه، واليوم نحن في دبي والإمارات ليس عندنا أزمة مالية ولكن ما ينقص اقتصادنا هو البعد عن تأثير العامل النفسي والابتعاد عن الإشاعات.
حيث أننا غير محصنين ضدها وقد نشرت أكثر من صحيفة بريطانية معلومات وأخبارا مغلوطة عن نخلة ديره تشكك في البدء في المشروع واخذ فلوس الناس وما شابه ذلك وان هناك خلافات بين الشارقة ودبي حول المشروع ولكن تم استدعاء الصحافيين إلى مواقع العمل ورأوا بأم أعينهم المشروع وهو تحت التنفيذ وما تم انجازه من جسور ومولدات كهربائية.
أما عن التامين ومفهوم التامين والتكافل والوعي العلمي فان التامين الإسلامي مثل الجمعيات العمومية يصب كله في محفظة والمحفظة تدعم المحتاج في وقته وقد كان قبل الإسلام بين التجار وعاء أو محفظة بلغة اليوم توضع فيها الأموال لاستعمالها في حالة إصابة احدهم بمشكلة أو ضياع أموال القوافل لأي سبب ما.
ولما جاء الإسلام اقر هذه العملية وللأسف فانه عبر القرون ضاعت هذه الخاصية ثم عادت للرجوع هذه الأيام، والفرق بيننا وبين شركات التأمين التقليدية هو عدم خلط أموال المساهمين بمحفظة التأمين والتي يجب أن تكون مستقلة وتكون من تبرعات المشتركين فيها مثل الجمعيات العمومية ونخصص نسبة معينة منها فقط لإدارة هذه المحفظة ويذهب جزء منها لإعادة التكافل وتغطية الخسائر والمخاطر والجزء الباقي الفائض نرجعه للمشترك، وسوف يساعدنا الترويج على الحل الإسلامي للتامين لأنه أفضل من التامين العادي فهو يعيد الفائض للمشتركين، فالوعي والترويج مطلوبان ليس فقط عبر وسائل الإعلام وإنما كذلك في خطب الجمعة في المساجد والمدارس فوزارة الشؤون الإسلامية يجب أن تلعب دورها في هذا المجال بالإضافة للندوات والدورات التدريبية.
د. محمد المطوع: في النهاية لا يسعنا إلا أن نتقدم لكل المشاركين بالشكر على تلبيتهم دعوتنا والمساهمة في هذه الندوة.
المشاركون في الندوة
محمد مصبح النعيمي: الرئيس التنفيذي لشركة موارد للتمويل
صالح الهاشمي: نائب الرئيس التنفيذي لشركة دار التكافل للتأمين
رحاب لوتاه: نائب رئيس شركة موارد للتمويل
د. معبد علي الجارحي: خبير مالي في مصرف الإمارات الإسلامي
أدار الندوة:
أ.د محمد عبد الله المطوع
التحرير والإعداد:
موسى أبو عيد
تصوير: عمران


