قال الشيخ: من أطرف ما قرأت قول مسؤول في دولة بدأت فيها تفاعلات الجوع والفقر تظهر في الشارع، صحيح اننا نعاني من مشكلات في توفير الخبز وغيره، ولكن هل مات أحد منا من الجوع؟ كما عانينا سابقاً ونعاني حالياً من مشكلات في تأمين الماء العذب فهل مات فينا أحد من الظمأ؟ هذا المنطق إن عم فهو سيؤدي إلى كوارث حقيقية وقريباً جداً، فهل من الإسلام أو من الإنسانية أن نواجه مسؤولياتنا بهذه الطريقة الشيطانية المرعبة بلا مبالاتها وعدم اكتراثها وترفعها عن أوجاع الناس وحاجاتهم؟
السري السقطي يقول لنا ان من خير ما يواجه به المرء مشوار حياته وما فيها من ملمات: ألا تكون لكل ما تهوى ركوب، فالهوى يهوي بصاحبه فرداً أو جماعة، شعباً أو أمة، وما صرنا في ذيل الأمم إلا بتتبع الهوى، وما دكت أركان العالم اليوم بالفساد وآثاره إلا بغلبة الهوى على الالتزام وتتبع العزائم، وها هي بعض ملامح الهوى وقد اجتمعت فأدت إلى ما نحن فيه.
مئات الملايين من الأطنان من الذرة والقمح تتحول في أميركا وغيرها إلى وقود حيوي للسيارات وغيرها على بعد خطوات من الجوع المضني للملايين، هم يريدون مصدراً آخر للوقود غير النفط لمزيدٍ من التجبر والفرعنة بعداً عن أية حاجة إلى أي أحد، وعلى هذا لتحرق الذرة وليمت الناس.
الأدهى أن العالم إلى ما قبل هذه الأزمة التي نعيشها اليوم كان ولا يزال رافضاً لموضوع الغذاء المعّدل جينياً، أما الآن ومع الفقر والحاجة والجوع فقد صار موضوع التعديل الوراثي للقمح والذرة وغيرهما أكثر قبولاً بين الناس، حتى قيل ان الأزمة التي يعاني العالم منها اليوم كلها مفتعلة بمقصد الضغط على العالم لتحرير الغذاء المعدل وراثياً، مما يبشر بمستقبل مجهول في أحسن الأحوال ومليء بالأمراض والعلل.
إذا كانت السرقة سلوكاً معيباً ومرفوضاً ومحرماً في كل الأحوال فإن سرقة الرغيف ومن قبل طفل تدمي القلب وتدفع بالدمع من العين، وقد رأيت طفلاً يسرق بعض الأرغفة في بلد عربي كنت أزوره وقد لحق به من لحق ليمارسوا رجولتهم بحق طفل جائع وحيران لا يملك وسيلة ليأكل إلا السرقة، والله إن ذنب هذا الطفل وغيره معلق في رقابنا جميعاً.
ركوب الهوى والتوحش وراء المال وبناته من اللذائذ لن يؤدي إلى نتائج بشرية أكثر أخلاقاً أو أقل بشاعة، إن ما يحدث اليوم خطر علينا جميعاً وعلى مصائرنا، لأنه بكل الأحوال شهادة علينا جميعاً أمام الحق سبحانه وتعالى ونحن نتفرج على من يموت جوعاً كل يوم ولا يؤثر ذلك في حياتنا شيئاً.
ما هو منطق الإسلام إزاء حال كهذا؟ في إحدى الغزوات وفي الطريق إلى موقع الغزوة علا صوت المبلغ أن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم يأمركم ليعطِ كل من له فضل في الركوب ركوبه لمن لا ركوب له، وليعطِ كل من له فضل في السلاح سلاحه لمن لا سلاح له، وليعطِ كل من له فضل طعام طعامه لمن لا طعام له..... قال الراوي وقد استمر نداء الرسول الأعظم حتى ظننا أنه لا حق لأحد في فضل عنده.
والرسول الأعظم يقول فيما معناه: إذا بات أحدكم معافى في بدنه آمناً في سربه عنده قوت يومه فقد ملك الدنيا بحذافيرها، العافية والأمن وقوت اليوم ـلا قوت أشهر- هي ما يجب أن يكتفي به المسلم ممتناً دون زيادة، فهذا هو الحق وما سواه فضل.. والفضل ليس لك والناس تموت من الجوع.
عندما جمع عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه زكاة المال ووزعت على مصارفها ومستحقيها لم يبق ذو حاجة، حتى أمر عمر بتزويج الشباب بما تبقى من الزكاة. فلماذا لا نخرج جميعاً زكاة أموالنا، ونسجل في بدايات القرن الحادي والعشرين أننا معاشر المسلمين قد استطعنا حل أزمة الغذاء العالمية بوحي من ديننا وبتحمل مسؤولياتنا أمام الخلق وهم جميعاً عيال الله.
ماهر سقا أميني
