إن مما ينبغي على أتباع الأمة الإسلامية بل من الواجب المفروض عليهم أن يمزجوا القول بالعمل لكي يتحقق المجد للإسلام وأهله فلا فائدة من القول دون مشاركة الأعمال الفعالة التي تصدق هذا القول و إلا كيف نستطيع أن نؤثر على أنفسنا قبل غيرنا إذا كان قولنا يخالف فعلنا والحديث في هذا كثير ولكن نحاول الاختصار فالأقوال التي تصدر عن المسلمين سواء كانت مقتبسة من القرآن أو السنة أو من أثار السلف الصالح لابد أن يعمل بها فيكون المسلم قوّالا وفعّالا في كل أحوال حياته فلا فائدة من القول دون العمل وقد عاب الله على أقوام كانوا يقولون ما لا يفعلون قال تعالى: «يا أيها الذين أمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون» الصف {2 ـ 3}، والله تعالى في كثير من الآيات القرآنية يقرن القول بالعمل ولابد لهذا العمل من التقوى والصلاح.
كما في قوله تعالى: «ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من امن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون» البقرة {177}، فالبر والإيمان بكل ما ذكرته الآية الكريمة لا يكون بالقول فقط بل لا بد من مزج العمل به فلا بد من القيام بتطبيق أركان الإيمان والإسلام كالإيمان بالله وملائكته... وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان... فبالقول والعمل نستطيع أن نعيد مجد الإسلام ونرسو بالسفينة إلى بر الأمان والسلام، أما في التخاذل عن العمل فرياح التغيير ستجد منفذا للسيطرة علينا وعلى ديننا، وليعلم كل مسلم ومسلمة أن التمادي في فعل الأعمال الرذيلة والعياذ بالله والتمني على الله الأماني من الخطر الجسيم، وقد حذر الله تعالي المسلمين وأهل الكتاب من ذلك التمني.
حيث قال جل شأنه (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا) النساء {123 ـ 124} وللخروج من هذا علينا أن نتعلم ونعمل بما علمنا لنكون من حزب الله المفلحين وجنده المنصورين.
ومن عوامل إعادة مجد الإسلام أيضا: حسن الظن بالآخرين وعدم إصدار الأحكام الشنيعة التي ليست من شيم العقلاء ولا من تدبير الحكماء الأفذاذ الذين أضاءوا فضاء الساحة الإسلامية بنور علمهم وسعة اطلاعهم في بحور العلم وخدمة الشريعة الإسلامية في كافة نواحيها المختلفة، فاتهام طائفة من المسلمين بالخروج عن الإسلام وتكفيرهم، لا يجوز شرعا فمثل هذه الأعمال لا تحقق الوحدة للمسلمين ولا يعاد للإسلام مجده بل يزيدهم بعدا وفراقا عن بعضهم البعض فالظن لا يغني من الحق شيئا وقد حذر الله المسلمين من ذلك فقال: «يا أيها الذين امنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا..» الحجرات {12}، وتكفير المسلمين وسبهم أمر مرفوض في الشريعة الإسلامية فالنبي عليه السلام حذر من هذا الداء الخطير وقد أخرجه الإمام الترمذي (ت 279 هـ) من طريق عبد الله بن مسعود (ت32 هـ) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) رواه الترمذي، وعن التلفظ بالكفر.
وأخرج الإمام الربيع (ت175 هـ) من طريق ابن عباس (ت68 هـ) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال لأخيه يا كافر فقال له أنت كافر فقد باء بالكفر أحدهما والبادي اظلم»، هذه تعاليم نبي الخلق وقدوتهم أجمعين فعلينا أن نصحح مفاهيم بعضا البعض في الفكر لنعيد المجد للإسلام وأهله ونجعل كلمتنا كما قال الإمام الحكيم الشافعي (204 هـ) رأيه الرائع في التسامح (رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب)، فالأمة المحمدية متفقة على الأصول ومختلفة في الفروع.
ولو حلل المنصفون أقوال العلماء لوجدوا أن معظم اختلافاتهم لفظية وقد يتفقوا على معنى بعض المفاهيم فالمقصد والهدف واحد،(فلا يجوز أن يؤدي الخلاف في الرأي أو في الفكر أو في الاعتقاد إلى إفساد ما بين الناس من علاقات وهذا ما يعبر عنه القول المشهور:(الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية) هذه بعض الأمور المهمة التي تعين على إعادة مجد الإسلام ولا ريب أن هناك أمورا كثيرة تساعد على إعادة هذا المجد كتسامح المسلمين مع بعضهم البعض والتسامح مع أهل الكتاب وإعادة صياغة الدعاة وفكر الأمة الثقافي والمعرفي وحل الخلافات بين الدول ومحاولة التقريب بين المذاهب الإسلامية وغيرها من الأمور فالمقام لا يتسع لذكرها ولكن اقتصرنا على ذكر البعض منها.
هذا فحين يتم ذلك بتوفيق الله تعالى (يسهل جلّ وعلا لأمة الإسلام الإفاقة من نومها، والنهضة من كبوتها، بحيث يجعل من تلاميذ اليوم رجالا مسلمين مؤمنين حقا في المستقبل، يحسنون التصرف في شؤون الأمة حين توضع الأمور بين أيديهم، ويجعل منهم رجالا شجعانا أمناء لدينهم وأمتهم، لا هم لهم في حياتهم إلا إعادة مجد الإسلام والعالم الإسلامي).
وإحلال الأمن والامان والسلم والسلام كل ذلك بالوسائل الناجحة للوصول إلى تلك الغاية المجيدة فحينئذ يٌمكن للمسلمين في الأرض وتعز كلمة الله العظيم وصدق الله بقوله (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) {النور/55} فهذه شروط الاستخلاف في الأرض فعسى أن يعي المسلمون هذه الأوامر ليحققوا الأمن والسلام للبشرية هذا وبالله التوفيق والسداد.
إبراهيم بن حبيب الكروان السعدي

