لم يكن أحد من زملائها يتوقع أن تحقق كل هذه النجاحات في وقت قصير، فقد استطاعت أن تأتي بأهم الأخبار وجعلت منها عناوين رئيسية للصحيفة التي تعمل بها.
نجاح في كل المجالات
كانت من أصغر الصحافيات اللواتي يعملن في تلك الصحيفة، وكانت جميلة للغاية ولغتها الإنجليزية تؤهلها لأن تُجري أي لقاء صحافي مع المسؤولين الأجانب في القطاعين الاقتصادي والسياحي بكل اقتدار، فهي خريجة صحافة من جامعة أميركية.
كانت تعرف أن الصحافة تحتاج إلى الجرأة والعمل الجاد، فهي كما تُسمى مهنة المتاعب، كانت تعرف أيضاً أن للجمال دورا لا يقل أهمية عن دور الشهادة واللغة والخبرة وأكثر، فهو مفتاح للكثير من الأبواب، لذا قررت أن تستغل هذا المجال في تحقيق بعض الأهداف الخاصة بإنجاح مهمتها الصحافية، قد يقول البعض بأن هذه طريقة «رخيصة» أو غير شريفة، لكن لا بأس فليس هناك إنسان كامل.
لكن ليس من العدل أن ننسب كل نجاحاتها الصحافية لجمالها، فهي صحافية ممتازة ولغتها الإنجليزية قوية جداً وسبق أن عملت في المجال الصحافي عندما كانت في السنة الأخيرة في الجامعة.
لذا فهي مؤهلة من الناحية المهنية والعملية لكن الله سبحانه وتعالى حباها جمالاً خلاباً جعل مهمتها الصحافية سهلة للغاية كانت تسمع الكثير من النقد من زملائها وزميلاتها لكنها لم تُعر هذا النقد أي اهتمام فقد كانت تعرف بأنه ينصب في دائرة الغيرة من النجاح الذي تحققه في مجالات كثيرة فشل فيها غيرها من الصحافيين، لذا كانت تنال الكثير من المديح والإطراء كل يوم في اجتماع إدارة التحرير لأنها استطاعت أن تأتي بسبق صحافي من هذه الدائرة أو تلك.
في أقل من ثلاثة أعوام من انضمامها إلى الصحيفة تم تعيينها في منصب أعلى، ورغم أن هذا القرار أسعدها كثيراً وجعل مرتبها يتضاعف مرتين ونصف المرة، إلاّ أنه سبب لها الكثير من الحسد من زملائها الذين يعملون في تلك الصحيفة منذ أكثر من (15) عاماً، حيث تم تخطيهم والقفز على تلك السنين، حيث تم اختيارها هي للمنصب الجديد بحجة أنها أكثر من الجميع كفاءة. وما زاد الطين بلة أنها كانت هي التي يتم انتدابها إلى الندوات والمؤتمرات التي كانت تعقد في الخارج.
خبر الموسم
في أحد الأيام، تسرّبت معلومات مفادها أن شحنة قادمة من دولة مجاورة على زورق صيد، وأن هذه الشحنة تحتوي على (أشياء غاية في الخطورة)، وأن المعلومات تفيد بأنه تم رصد تحركات الزورق منذ اللحظة التي انطلق فيها.
حاول بعض الصحافيين أن يعرفوا شيئاً عن الشحنة ومحتواها والجهات المتورطة فيها والجهات التي ستتسلمها... إلخ، لكن أحداً من المسؤولين لم ينطق ببنت شفة، فقد كانت التعليمات مشددة بعدم الحديث عن هذه الشحنة التي كان البوليس الدولي طرفاً في مراقبتها وتتبع الزورق الذي كان يحملها أثناء دخوله المياه الدولية.
هنا طلب رئيس تحرير الصحيفة من الصحافية أن تتحرك وأن تأتي بأي معلومات، مؤكداً لها أنها ستأخذ مكافأة كبيرة وأنه سيتم ترقيتها إلى منصب أعلى إن استطاعت أن تأتي بخبر الموسم هذا.
راحت الصحافية تسعى في تتبع أخبار الشحنة، ومرّ يوم ويومان وأسبوع من دون أن تعرف شيئاً يفيد صحيفتها وكذلك لم يتمكن أي صحافي من الصحف الأولى معرفة أي شيء حتى إن الصحافيين الذين يتابعون تلك الشحنة بدأوا ينسونها في حين كانت الشحنة في طريقها إلى جهتها ولم يبق على وصولها سوى نحو 12 ساعة.
كان هناك تعتيم كبير على تحركات الشحنة وعلى الجهات التي تراقبها، وفجأة ظهر شيء لم يكن متوقعاً فبعد مرور نحو 15 ساعة ظهر خبر مصدره تلك الصحافية مفاده (وقوع الشحنة في يد السلطات الأمنية).
كان الخبر صغيراً لكن أثره كان مدويا فكيف وصل إلى تلك الصحيفة وما أدراها بتفاصيل القبض على الشحنة وعلى الأشخاص الذين كانوا يرافقونها.
كانت عملية نشر الخبر أفسدت فرحة الجهات الأمنية بالقبض على الأشخاص المرافقين للشحنة وعلى الشحنة ذاتها خاصة وأن تلك الصحافية أشارت إلى تعاون دولي وأن «الانتربول» كان له دور في وصول المعلومات إلى الجهات الأمنية التي أمسكت بالشحنة قبل وصولها إلى شخصية مهمة للغاية.
جرى تحقق سريع مع الأشخاص الذين كانوا يتابعون الشحنة منذ مغادرتها الدولة المجاورة لوصولها إلى جهتها لكن التحقيق لم يفض الى أية نتيجة فقد كان الكل يقول بأنه ليس لديه أية معلومات عن الكيفية التي وصل بها الخبر إلى تلك الصحافية. لذا قررت الجهات المسؤولة استدعاء الصحافية بشكل رسمي وسؤالها عن مصادرها التي أبلغتها عن تفاصيل الشحنة لكن الصحافية رفضت الامتثال للأمر وبدلاً من ذلك جاء محامي المؤسسة الصحافية، ليقول جملة واحدة وهي أن الصحافية لن تكشف عن مصادرها وهذا من حقها.
هنا هدد أحد الموجودين في المكتب بأنه سيطلب اعتقال الصحافية وسيجبرها على الكشف عن مصادرها فما كان من محامي المؤسسة إلا أن هدد باللجوء إلى القضاء، ليس هذا فقط بل إن التهديد الذي وجهه ضد الصحافية كان في اليوم الثاني موجوداً بخط عريض في نصف الصفحة الأولى من الجريدة التي تعمل فيها الصحافية.
تحقيقات داخلية
وجدت الجهات الأمنية بأنه من الأفضل لها عدم الدخول في حرب مع الجهات الإعلامية لأن ذلك لن يكون في صالحها لذا قررت البدء في تحقيقات داخلية تطال الجميع وبدون استثناء كما بدأت جهات أخرى تتحرى عن علاقة الصحافية مع بعض الأشخاص ومع من تتصل ومن تزور.. الخ.
إلا أن كل المعلومات أكدت بأنها لا تتصل بأحد من الأشخاص الموجودين في المؤسسة الأمنية ولا تزور أحداً، كما أن جميع من شملهم التحقيق في المؤسسة الأمنية أكدوا بأنهم لم يلتقوا بتلك الصحافية ولم يسربوا لها أية معلومة، لذا انتهى التحقيق دون اتهام أحد ولكن بتوصية مهمة وهي عدم التحدث مع الصحافيين بدون إذن مسبق خاصة تلك الصحافية.
لكن في صباح أحد الأيام بينما كان رئيس المؤسسة الأمنية يطالع الصحف وجد خبرا مفاده أن حريقا وقع في موقع مهم وأن شخصية مهمة توفيت نتيجة لذلك، جن جنون رئيس المؤسسة، فقد نشرت تلك الصحافية الحريق بالتفصيل ثم انها كتبت أول حرفين من اسم الشخصية المهمة.
طلب رئيس المؤسسة الأمنية تحقيقا شاملا وكاملا ومفصلا ودقيقا وسريعا مع كل الأشخاص الذين كانوا يعرفون عن الحريق أو وجدوا في الموقع.
وأخيراً وصل التحقيق إلى طريق مسدود فلم يعترف أحد بأنه سرب أية معلومة إلى تلك الصحافية أو إلى غيرها.
أصبح الأمر مزعجا جدا لجميع المسؤولين في المؤسسة الأمنية وأخيراً صدرت الأوامر بمراقبة هواتف بعض المسؤولين الكبار في المؤسسة الأمنية الذين كانت تدور حولهم بعض الشكوك.
استمرت المراقبة لأكثر من 15 يوما وأخيرا تلقى أحد المسؤولين اتصالاً هاتفياً من الصحافية تقول له (أليس لديك أخبار ساخنة)؟
فرد عن قريب ستعرفين خبرا مهما جدا ثم نقل هذه المعلومة إلى الجهات المسؤولة التي اتفقت فيما بينها على فبركة واطلاع المسؤول عليه ومراقبة الموقف ثم إعطاء هذا الشخص معلومات خاطئة، وبعد انتهاء الدوام اتصل هذا الشخص بالصحافية وقال لها أتيتك بخبر آخر جديد غير الخبر الذي وعدتك به.
وفعلاً، في اليوم الثاني كان الخبر كالعادة في نصف الصفحة الأولى من الجريدة التي تعمل الصحافية بها. هنا تم التأكد من الشخص الذي يوصل المعلومات إلى تلك الصحافية، حيث تمت مواجهته بالحقيقة.
كان الرجل يقف مذهولاً وهو في جلسة التحقيق، فلم يكن يتخيل أنه سيقف في هذا الموقف وهو الذي كان يصول ويجول وتحسب له كل الجهات ألف حساب.
الاعتراف
قال رئيس لجنة التحقيق للشخص المهم: لقد أسأت بتصرفك هذا إلى مؤسستنا الأمنية وإلى جميع من يعملون فيها، وسرّبت معلومات إلى الصحافية التي أضرّت بنا جميعاً.
قال الرجل: سأستقيل مقابل إسقاط التهمة عني. لكن رئيس لجنة التحقيق أخبره بأنه تم فصله، وأن الاستقالة هنا غير واردة، ولكن تعاونك معنا واعترافك بكل شيء سوف يسهّل الأمور عليك. نزلت بعض الدموع من عيني الرجل وقال: لقد جاءت إليّ تلك الصحافية في يوم من الأيام لتغطي موضوعاً معيناً، وبحكم مسؤوليتي وموقعي أعطيتها معلومات كاملة، لكنها اتصلت بي بعد الدوام الرسمي، وطلبت مني معلومات إضافية. وعندما بدأت أعطيها تلك المعلومات، قالت إنها موجودة الآن في السيارة ولا تستطيع أن تسجل ما أقول، لذا طلبت مني أن ألتقيها في أحد الفنادق لنتحدث بالتفصيل، وفعلاً ذهبت إلى أحد الفنادق وانتظرتها حتى جاءت.
وأضاف: عندما جاءت كانت أشبه بنجمات هوليوود، فلم أتمالك نفسي، بل حسدت نفسي على أنني أجلس بجانب هذه الفاتنة، وقبل أن تسألني عن أي معلومة، بدأت أقول لها كل ما تريد قبل أن تسأل عنه، كنت كأنني مخدّر ولا أدري ما أقول ولا كيف أتصرف. واستمرت اللقاءات بيننا، وتطورت تلك اللقاءات إلى صداقة، كنت أقدّم لها الهدايا والمعلومات التي تريدها، وعندما كانت تسألني عن شيء، لم أكن أقدر أن أقول لها كلمة (لا)، فقد كنت أريد أن أحتفظ بها إلى ما لا نهاية.
وأضاف: لقد أحببتها من كل قلبي، وهذه أول مرة أحب فيها، لذا لم أقصد أي شيء عندما كنت أسر لها ببعض الأخبار، بل كان هدفي أن أشعرها بأنني شخص مهم للغاية ويستطيع أن يخدمها.
كان الرجل يتحدث وكانت عيناه تذرفان الدموع، فقد أحس بفداحة ما كان يرتكبه من أخطاء من أجل إرضاء تلك الصحافية.
نظر الرجل إلى أعضاء اللجنة الذين كانوا يحققون معه، وقال لهم: أنتم تعرفون كم خدمت هذه المؤسسة بشرف وأمانة وتفانٍ، وإذا كنت قد أخطأت، فكل إنسان معرض للخطأ، لذا أرجو منكم أن تسامحونني وألاّ تعرف زوجتي أو أحد من أولادي وأسرتي ما آلت إليه ظروفي. طلب رئيس لجنة التحقيق من الرجل أن ينتظر في مكتبه حتى تنتهي اللجنة من مداولاتها.
وعندما اجتمعت اللجنة لاتخاذ القرار بشأن الرجل اتفق جميع أعضاء اللجنة على أن هذا الرجل أخطأ في تسريب المعلومات إلى الصحافية سواء كان يقصد ذلك أو لا.
وأخيراً، اتفق أعضاء اللجنة على توجيه لوم خطي للرجل وإدانته وسجنه 3 سنوات مع وقف التنفيذ وخصم 25% من مستحقات نهاية خدمته وحرمانه من امتيازات التقاعد كلها.
بعد أقل من أسبوعين، ترك الرجل المدينة التي كان يعيش فيها وانتقل إلى مدينة أخرى، وقبل أن يترك مدينته كتب رسالة إلى رئيس اللجنة التي كانت تحقق معه مفادها أن الصحافية بدأت تتصل بـ «فلان».
إعداد ـ أحمد سلطان
