اختزلت اسمها إلى فريدة، وهي ليست بحاجة لا إلى ألقاب ولا إلى أسماء بل إلى حنجرة، ورغم ذلك لقبت بـ «قيثارة دجلة» و«سيدة المقام العراقي». يكفي أنها أول امرأة أضفت الأنوثة على المقامات العراقية التي كانت حكراً على حناجر الرجال، فبالإضافة إلى إبداعها الصوتي، فهي أكاديمية، غادرت العراق لتنشر اسمه عبر الغناء وأكثر أشكاله التقليدية: المقامات.

تقيم مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية على مسرحها حفلاً كبيراً تحييه سيدة المقام العراقي فريدة، وفرقتها، المؤلفة من 11 موسيقياً، سيطربون أسماع عشاق المقام العراقي غداً.

عبد الإله عبد القادر، المدير التنفيذي لمؤسسة العويس الثقافية أدار الندوة بعد أن استضافتها لإحياء حفلة موسيقية غداً. وبهذه المناسبة عقدت لفريدة وزوجها الموسيقار محمد حسين كمر مؤتمراً صحافياً ضّم فريدة وزوجها عازف الجوزة ومؤسس فرقة المقام العراقي في هولندا. بدأ عبد الإله عبد القادر باستعراض تاريخ المقامات وغناه في العراق، مؤكدا على تراث زرياب والموصلي وغيرهما في أقطاب هذا التراث.

وعلى الرغم من أن المقام العراقي شكل غنائي لم ينتشر كثيراً في العالم العربي إلا أنه حقق نجاحات كبيرة في أوروبا والعالم على يد فرقة المقام العراقي الذي تقوده كل من فريدة وزوجها الموسيقي محمد حسين كمر.

تطرقت الفنانة فريدة، الملقبة بسيدة المقام إلى أبرز ما يهم المقام العراقي، هذه الفنانة التي استطاعت أن تؤسس لنفسها صوتاً خاصاً ومتميزاً، لا لأنها أول امرأة غنت المقام بل وجددت فيه وأضافت عليه من روحها، وعن هذا قالت: «اعتادت الأذن العراقية أن تسمع المقام بالصوت الرجولي، على الرغم من أن بعض النساء أنشدن الأغاني واشتهرن به مثل: سليمة مراد صديقة الملاية وزهور حسين ووحيدة خليل ومائدة نزهت.

والمقام كما هو معروف له أركان وثوابت لا بد من التمسك بها، ولم تكن لي دراية به في بادئ الأمر، لكني كنت أستمع لناظم الغزالي وسليمة مراد على الرغم من أنهما لم يؤديا كافة المقامات، وعندما دخلت في بحور المقام ودرستها على يد شعوبي إبراهيم ومنير بشير وأسرتي التي تحب الموسيقى والمقام وكذلك أستاذي محمد حسين كمر وحسين الأعظمي أردت أن أكّون صوتاً لنفسي وخصوصية.

وعندما صعدت على مسرح الرشيد، أنشدت مقام الأورفلي في عام 1985، حيث راودني الخوف والارتباك لأن الجمهور لم يعتد على سماع المقام من امرأة، وحاولت أن أدخل بعض الأداء الخاص بي».

* وهل لمدينة كربلاء التي ولدت فيها تأثير على غنائك؟

نعم هناك تأثير لمدينتي التي تميزت بالقراءات الدينية، لذلك خرجت من دائرة المقام لأضع له شكلا جميلا ومقبولا، فيه نوع من النرجسية.. «تضحك».

ومن المعلوم أن هناك خمسين مقاماً، ولا يوجد حتى الآن مطرب أدى جميع هذه المقامات سوى محمد القبنجي ورشيد القندرجي ويوسف عمر. وبعضهم تمكن من أداء عشرين إلى خمسة وعشرين مقاما فقط. وفي العادة لا يتمكن المغني العادي من تأدية سبع أو ثمانية مقامات، وكل مغنٍ يغني المقام بصوته الخاص، على سبيل المثال ناظم الغزالي أفضل من غنى مقام المخالف لكنني غيرت الكلمات وغنيته بطريقتي، والمقام المخالف معروف في العراق بالحزن.

* ولمن تعود هذه الأشعار التي تتغنين بها؟

كلها أشعار قديمة، مثل موالات الزهيري أي ستة أشطر والشطر السابع يرجع إلى نهاية المعنى، بعض الشعراء كتبوا لي خاصة لكني عندما أجلس مع شاعر يجب أن أشرح له معنى المقام والوزن وفاعليته.. مقام الأورفة فيه فرح فلا يمكن كتابة كلمات حزينة له. فأنا أتفق مع الشاعر على الكتابة.

توجهنا بالسؤال إلى الموسيقار محمد حسين كمر فقلنا له: يتكون المقام من الغناء والبستة .. فهل مثل الطقطوقة المصرية؟

فأجاب: تعني البستة الرابط بين مقام ومقام، وتؤديها الجوقة الموسيقية أو الجالغي البغدادي .. وهي كلمة تركية تعني جماعة الملهي، خمسة موسيقيين يعزفون على آلة السنطور والجوزة والطبلة والرقوة والنقارة في بعض الأحيان يجب أن يتميزون بحلاوة الصوت.، ويعطون استراحة إلى مغني المقام.

* كيف يمكن أن نجعل من المقام غناءً معاصراً؟

أجابت فريدة: يُعتبر ناظم الغزالي سفير الأغنية العراقية عندما سافر إلى الكويت ولبنان وسجل أغانيه فيهما بحيث يعتقد الجمهور بأنه مازال على قيد الحياة لأن أغانيه لا تزال تعيش في وجدان الجمهور، واقتصر المقام على الرجال، فكان المقام يؤدى في المقاهي وتتم المنافسة بينهم وخاصة في «الزورخانات» .. طريقة الرياضة على الطريقة الصوفية. وفي المناقب النبوية.. المرأة لا تستطيع أن تخترق هذه الأماكن، فهي في الكواليس دائماً.

وعندما ظهرت على شاشة التلفزيون، بدأ الجمهور يطالب بأغنياتي في المقام، وكان المقام يؤدى في أماكن ضيقة مقل خان مرجان والمتحف البغدادي على نطاق ضيق، لكن الفضائيات نشرت الأغاني الجديدة، الموسيقى السريعة مما أدى إلى التغطية على المقام الذي أصبح فن النخبة.

* ما التجديد الذي قمت به؟

قالت فريدة: التجديد الذي قمت به هو من أجل جذب جمهور جديد لفن المقام. وهنا يبرز دور المراكز الثقافية مثل مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية مع الحروب وظروف الحصار، ضعف الاهتمام بالمقام.

ولقد منحتني هولندا فرصة الغناء وهي مهتمة بالفنون، وتمكنا من إيصال المقام العراقي وتراث الغناء العربي إلى الأذن الغربية، حتى أن الأوروبيين يقولون إنهم لا يفهمون كلماتي العربية لكنهم يرون بغداد من خلال غنائي، على الرغم من الصعوبات التي نعيشها في هولندا من حيث تسجيل الأغاني وغيرها، كما أن مستشرقاً خبيراً في الموسيقى العراقية هو الذي قدمني للمسرح وقال لي بالحرف الواحد: هناك مغنٍ عراقي عندما أسمعه ترتجف أوصالي هو المطرب الشعبي العراقي داخل حسن.

* هل المقام العراقي أساس الغناء الشرقي؟

تجيب الفنانة فريدة: الاختلاف كبير بين المقام في العراق والمقام في بقية العالم العربي، يُقصد بالمقام العربي السلم الموسيقي المؤلف من سبع درجات موسيقية، أما المقام العراقي فلون غنائي له أصوله وثوابته.

شاكر نوري