قال الشيخ: هل بكينا على الذنوب وهل عملنا على إصلاح العيوب وهل عزمنا على طاعة علام الغيوب، أم أننا ننتظر أن نجوع فعلاً وأن يتضور أطفالنا جوعاً وقهراً حتى يمكن القول أننا تربينا فعلاً وعرفنا الصراط المستقيم.

وإني محدثكم اليوم حديثاً أبدأه بقول الحق عز وجل على لسان نبيه في الحديث القدسي: (عبدي لم أطالبك بصلاة الغد حتى تطالبني برزق الغد) فإن كنا مؤمنين حقاً واثقين بالله عز وجل كما يجب أن تكون الثقة علمنا أننا لا شك مقبلون على أرزاقنا لا ينقص منها شيئاً، ولو أن الناس تأدبوا بأدب هذا الحديث لما ادخروا طعام وشراب شهور معتمدين عليهما أكثر من اعتمادهم على الله.. واكتفوا جميعاً برزق اليوم فلم يجع امرؤ على سطح الأرض.

المفتاح الرابع للرزق والأدب الرابع من آداب التعامل مع الله جلاء الرين عن القلوب، والرين صدأ يحيط بالقلب فيمنع إحساسه ووصول الأنوار إليه فإذا به يتحول إلى قطعة حجر في صدر صاحبه لا تخشع لشيء ولا ترق لأحد.

والرين أصله الذنوب والعيوب وجلاؤه لا يكون إلا بالتوبة النصوح. فالذنوب والعيوب هما من أول ما يحرف الإنسان عن إنسانيته ويملأ القلوب بالسواد والصدأ والقيح... وأنى لقلب من هذه القلوب أن يشعر بغيره وبآلامه.

فمن غريب ما يذكر اليوم في صدد أزمة الجوع في العالم أن الناس يموتون كل دقيقة جوعاً وسقماً والمحافل المهتمة ذات الصلة تضع برامج وجداول لاجتماعات في الشهر التالي أو بعد التالي لمناقشة الموضوع واتخاذ التدبيرات المناسبة.

ومن مؤلم ما يذكر أن دولاً تحتفظ بمخزونات كبيرة من القمح والذرة والأرز وغيرها تكفيها لسنوات وهي غير مستعدة لتقديم هذا الطعام للجوعى ولو على محمل البيع والدين بالفوائد.

ومن وجيه ما يذكر أن أزمة الغذاء في العالم مع كبرها ومأساويتها لا تحتاج إلى مبالغ كبيرة لحلها في الوقت الذي ينفق أضعاف هذه المبالغ في ميادين صناعية وتجارية وعقارية وسياحية يمكن تأجيلها على الأقل ريثما يتم إنقاذ من ينتظر كأس طحين أو أرز.

قال المحللون إن ما يجنيه العالم اليوم من جوع الملايين هو نتيجة سوء تخطيط وتنفيذ عمره على الأقل عشرون عاماً، والأمر في نظرنا أمر موت قلوب أكثر منه خطا عقول فهل يعقل أن يضل أساطنة الاقتصاد طريقهم وهم من هم في الفكر والتخطيط والتنفيذ أم أن جوع الملايين كان وما يزال ثمن إثراء قلة من الناس إثراءاً باذخاً قميئاً بشعاً.

نعم فالاقتصاد القائم اليوم في العالم وهو الاقتصاد الذي يولد الجياع من رحم ثراء النخبة منقطع النظير، وهنا هو موضع رين القلوب، لأن الربح عند البعض فاق الإنسانية وتفوق عليها، وها هي المصارف تغري الناس بالقروض التي لا يقدرون على سدادها ثم تسوقهم عندما يقترون في سدادها إلى السجون حيث يضطر المسجون لبيع كل ماله من أجل الحرية، وها هي الربا ترفع كلف كل شيء وبالتالي أسعار كل شيء، وها هي الدول تقترض لتسدد فوائد ديونها من قروش الشعب، وكلها أموال تهدر على الاستهلاك الذي لا قيمة له.

لقد ركب أكثر الناس شهواتهم وأهوائهم وعملوا ما يستطيعون من أجل الانضمام إلى جوقة الاستهلاك حتى أمام عيون الفقر وأطفاله. وها هم يبيعون إنسانيتهم ودينهم من أجل مال أكثر واستهلاك أكثر وبذخ أكثر وفحش أكثر، وها هي التقارير تطلع علينا كل يوم تقريباً لتعد مزيداً من الضحايا ومع ذلك نجد أن هذه التقارير وما معها من دراسات لا تتكلم إلا عن جهد الدول في الأزمة، فلماذا لا يوضع أثرياء العالم من صغارهم إلى كبارهم أمام مسؤولياتهم ونحن نعلم منهم من هو قادر على حل الأزمة كلها وحده.

لماذا لا تفعل الزكاة وتنظم بطريقة من يرد أن يحل المشكلة كلها؟ والزكاة إن جمعت بمقاديرها وعلى كل الأموال التي يجب تزكيتها يمكن أن تنهِ الأمر ببعضها لا بكلها، فلماذا لا نطعم جياعنا مما افترضه الله علينا وهذا من باب الواجب وقبل الحديث عن الإنسانية والإيثار والكرم.

إن جلاء الرين عن القلوب مسؤولية كل مسلم وكل جماعة أو دولة إسلامية، ولينظر كل منا في قلبه فإن رآه أسوداً متفحماً لا يشعر ولا يحس فأمره إلى الله وما عليه إلا المسارعة لتطهير قلبه، وإن رآه ينبض بالإحساس يرى ويسمع ويبصر فليحمد الله على ما هو فيه ومثل هذا يعلم واجبه إن شاء الله.

ماهر سقا أميني