مما لا شك فيه أن العلم له المكانة العالية في الإسلام ويكفي للتدليل على ذلك أن أول أمر نزل من أوامر القرآن الكريم وأول كلمة من كلماته قوله تعالى: (اقرأ) فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن مكانة العلم في الإسلام لا تدانيها مكانة وقال الله تعالى أيضاً في كتابه (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب).
ودائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي ذاخرة بالعلم والعلماء الذين أثروا في جميع مجالات البحوث والإفتاء ويسرنا ان نلتقي مع الدكتور عبدالحكيم الأنيس كبير باحثين أول بإدارة البحوث لنلقي الضوء على نظرة الإسلام للعلم ولماذا لا يأتي العالم الإسلامي في المراتب الأولى في سلم البحث العلمي.
ما هي نظرة الإسلام إلى العلم؟
الإسلام دين العلم، وحسبُنا أن نقول: إن أول آية نزلت - كما هو معلوم للجميع - قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) وقد كان هذا إيذاناً بعصر جديد يُمَجَّدُ فيه العلم، ويُحض عليه ويُطلب، ويُذم الجهل ويُحذَّر منه ويُهجر، وقد تتابعت الآيات التي تشير إلى قيمة العلم وفضله وأثره في بناء الإنسان والمجتمع، وجاء بعضُها بصيغةٍ تُحَرِّك العقول وتثير العزائم كقوله تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدا وَقَائِما يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) (سورة الزمر:9)
ولسعة العلوم والمعارف وتنوعها وتطورها وتقدّمها جاء الأمر الرباني مُعَلِّماً ومُرْشِداً (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا)[طه:114] وفي هذا يقول الإمام الطبري: (يقول تعالى ذكره: وقل يا محمد: رب زدني علماً إلى ما علمتني. أمَرَهُ بمسألته من فوائد العلم ما لا يَعَلْمُ) وهذا وإن كان في ظاهره خطاباً خاصاً إلا أنّ التوجيه الذي تضمنه توجيهٌ عام لأنَّ القضية قضيةٌ عامة فالازديادُ من العلم أمرٌ لا يستغني عنه أحد، وكلما ازداد الإنسان علماً ازداد تمسكاً به، وازدادت معرفته بما كان عليه سابقاً من نقص علمه وقلة معرفته.
هل هناك أنواع من العلم منهي عنها في الإسلام؟
العلم من حيث هو مطلوبٌ مرغوب، وهو في الإسلام يتنوع ما بين علمٍ طلبُهُ (فرض عينٍ) أي على كلِّ شخصٍ، و(فرضُ كفايةٍ) وهو ما إذا قام به البعض سقط عن الباقي، و(مباح) وهو ما لا يطلبه الشرع ولا يذمه. والأمثلة على ذلك تطول. فدائرة المطلوبات واسعةٌ جداً، وإنما المذموم هو طلبُ هذا العلم بوسائل غير مشروعةٍ، أي تُصادم الثوابتُ الشرعية، وكذلك من المذموم التوصلُ بهذا العلم إلى غاياتٍ سيئةٍ أو محرمة.ويمكننا القول إن ما ينهى عنه في الإسلام هو ما يكون ضاراً لمتعاطيه في نفسه ومجتمعه.
نحن في العالم الإسلامي لا نأتي في المراتب الأولى في سلم البحث العلمي، فما هي الانعكاسات السلبية التي نعاني منها من جراء ذلك؟ وما هو الطريق لتجنب تلك الانعكاسات؟
الآثار السلبية التي نعاني منها واضحةٌ ملموسة في مجالات كثيرة، فنحن نعتمد على غيرنا اعتماداً كلياً أو شِبْه كلي في سائر أمور حياتنا، فغذاؤنا مستورد، وتعليمنا مستورد، ولغتنا مستوردة، وهذا يعني أن الأمة مرتهنة وليس لديها الاستقلال المطلوب في قراراتها ومواقفها وأنها أصبحت أمةً مستهلِكة فقط، والأصل أن تكون أمةً مُنْتِجَةً، تُعطي قبل أنْ تأخذ، وتصدِّر قبل أن تستورد، وتفكر بطريقتها الخاصة، وتقرر حسب قناعاتها ومعتقداتها وموروثها.
وطغيانُ الاستهلاك علينا جَعَلَ عقولَنا في سباتٍ، وأيادينا في شللٍ، وَربَطنا بثقافةِ المورد ربطاً تاماً.
والمرجو أن تعيد الأمةُ النظرَ في واقعها، وتعيد الخطط اللازمة لمستقبلها، وتسعى حثيثاً لكفاية ذاتها بذاتها في أمورها الصغيرة والكبيرة. إنَّ أهمَ أمرٍ أن يكون لدينا العزمُ والتَصميمُ على التصحيح وعلى تحرير قرارنا، وحفظ سيادتنا، وأن نتخلى عن ثقافة الاستهلاك، وأن نعمل بالترشيد في مفاصل حياتنا كلها، وأن نستغل أراضينا، ونشغِّل أبناءنا، ونستثمر أموالنا وطاقاتنا بأنفسنا.
هنالك انطلاق لدى بعض علماء الغرب غير منضبط، فهل من آلية للتصدي لهذا الانطلاق؟ وهل فتاوى التحريم المجردة كافية؟
نحن من وجهة نظرنا نقول: لا بد أن تحكم البحث العلميَ القواعدُ الشرعية المقررة والقواعدُ الأخلاقية المعترف بها لدى الجميع. وإذا تحرر البحثُ العلمي من جميع القواعد والثوابت والمقررات والأعراف فإنه سيقع في مطبّات قد تؤذي البشرية جمعاء ولاسيما فيما يتعلق بمجالات الهندسة الوراثية وعلم الجينات.
البحث اليوم منطلق بلا هوادةٍ، وإذا لم يكن له كوابح فقد يَصِلُ ويوصل إلى فواجعَ مما نرى ونسمع، ومما يتوقع المراقبون والعقلاء في كل مكان.
وقد تكون الفتاوى المجرَّدة غير كافية في رد جموح بعض العلماء والمختبريين فلابُدَّ من وضع ضوابط وقواعد عالمية تصدر عن هيئات لها صفة الإلزام لتنظِّم هذه العمليات، وتحد من الخيال العلمي الشارد الجامح المرعب. فالفتاوى مرشدة والقرارات الدولية مؤكدة، ونرجو ألا ينال الإنسان أي أذيً وضرر من أخيه الإنسان.
هل الأمة الإسلامية مؤهلة في ظل أوضاعنا الحالية لحمل راية التقدم والحضارة من جديد؟
أقول من غير تردد ولا تلبّث: نعم، وإنما يبزغ الفجرُ بعد اشتداد الظلام، وكيف يسعُ مسلماً أن يقول: لا واللهُ عز وجل يقول: ؟هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ؟ [الصف:9]. وهذا وعدٌ رباني صريح فلا بد أن يظهر هذا الدين وأهله ويقودوا البشرية من جديد.
والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «ليبلُغَنَّ هذا الأمرُ مبلغ الليل و النهار و لا يترك اللهُ بيتَ مدر و لا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز وبذل ذليل عزاً يعز الله به الإسلام، و يذل الله به الكفر» رواه أحمد (16998). والمبشرات في ذلك كثيرة.
هذا يقودنا إلى الحديث عن التجديد فماذا عن التجديد في الإسلام؟
لابد من التجديد في كل مناحي الحياة فالإنسان يسأم التكرار، وهنا قد يعرض سؤال: كيف يمكن التجديد وفي أي شيء والشريعة قد ختمت الشرائع والله قد أكمل الإسلام؟ والجواب : أن التجديد مصطلح نبوي وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها». أخرجه أبو داود والحاكم.
فلا غضاضة إذن من طرح هذا المصطلح والكلام فيه والسعي إليه ولكن لا بد من فهمه حق الفهم، فالتجديد هو في إظهار أمر الدين الحق، ونفي ما يكون قد أُلصق به وهو ليس منه، والتجديد في إظهار حقائق الكتاب والسنة، وملاحظة العناصر التالية: الزمان والمكان والإنسان، والداعية الواعي الواسع الأفق هو من يكون على دراية كاملة بالأسلوب الذي يناسب زمانه وينفع مكانه ويقنع إنسانه.ومن ذلك مثلاً الإفادة مما يسمى الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.
وأنا أفضّل أن نسمي هذا التفسير العلمي للقرآن والسنة- فمخاطبة العالم عبر هذا المنهج يساعد كثيراً على لفت الأنظار إلى هذا الدين وحقائقه وآفاقه شريطة الالتزام الجاد بضوابط هذا التفسير وعدم الشطط فيه. وفي العالم اليوم حاجة إلى القناعة العقلية، والإشباع الروحي، والاستقرار النفسي، ومن المهم أن نحسن تلبية هذه النداءات، ونشبع هذه الرغبات بأسلوب مناسب وخطاب جاذب.
وكلنا يعلم التوجيه الرائع في مضمون قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله!».
فإذا أساء المخاطب خطاب الآخر أدى هذا إلى الضرر البالغ بالمدعو والدعوة.
ومن تجديد الخطاب الديني تقديم العمل على القول أي التركيز على صنع القدوة الحسنة وتقديم الإسلام إلى الناس عبر السلوك الراقي الحسن الجميل والنموذج الذي يحبب الدين وعقيدته وحقائقه إلى الناس.
ومن ذلك تفسير القرآن الذي لا تنقضي عجائبه ولا تنتهي غرائبه والسنة بحاجة اليوم كذلك إلى من يجليها ويظهر ما فيها من منهج عظيم يصنع (الإنسان الصالح).
حوار- محمد توفيق أحمد
