جلس مشدوهاً يتابع زميلته في العمل، ولم يستطع إخفاء إعجابه بجمالها وأناقتها، وعندما أطال النظر إليها نبهته زميلته معاتبة إياه لأنها لم تعتد على أسلوبه هذا من قبل، فقد كان مثالاً للزميل المهذب الذي يغض البصر، ولم تلحظ يوما عليه طوال ست سنوات أمضياها سويا في نفس المكتب هذا السلوك الذي تعتبره خارجا عن المألوف.
سألته: لماذا تتابعني بعيونك هكذا؟، ارتبك وشعر بالحرج واعتذر لها على الفور وعلل لها ما حدث بأنه سرح قليلا ولم يكن يقصد إطالة النظر إليها، فصمتت الزميلة وتابعت عملها وأخذت تنقر على الكي بورد وكأن شيئا لم يحدث.
أمسك بمجلة في يده وأخذ يقلب صفحاتها، وهو يتابع بشغف صور الفنانات و«الموديلز»، ثم أخذ نفسا عميقا وأصدر همهمات وكأنه يتحسر على شيء ما أصابه مؤخرا.
انتبه على صوت زميلة أخرى أتت إليهم من المكتب المجاور، وسألته: هل أنجزت البحث الذي كلفك به المدير بالأمس؟ فنظر إليها وكأنه لم يسمع ما قالت، فكررت نفس سؤالها مرة أخرى، فظل شاردا صامتا لا يجيب.
ثم فاجأها بالسؤال عن نوع العطر الذي تتطيب به؟، فذكرت له الاسم، وكررت سؤالها للمرة الثالثة عندها أجابها بالنفي، فذكرت له أن المدير سألها أكثر من مرة عن هذا البحث تحديدا إلا أنها لم تستطع أن تمنحه إجابة واضحة بسبب تأخره في إنجاز المهمة.
ثم تركته وعادت إلى مكتبها، فسألته زميلته عن سبب شرود ذهنه وعن تصرفاته الغريبة التي تلاحظها عليه منذ فترة طويلة، وألحت عليه في السؤال، فقال لها: تعلمين أنني تزوجت منذ أكثر من ست سنوات تقريبا، وكانت زوجتي قبل الزواج فتاة جميلة رشيقة مرحة، وفيها الكثير من الصفات التي يتمناها أي شاب في زوجة المستقبل، ولكن تغيرت تماما إلى امرأة أخرى غير تلك التي ارتبطت بها، فبعد إنجاب أول أطفالنا ازداد وزنها بشكل منفّر، وقلت ربما يكون الحمل هو السبب وحاولت أن ألفت انتباهها كي تهتم باستعادة رشاقة قوامها إلا أنها لم تستجب.
وبعد إنجاب الطفل الثاني أصبحت أكثر سمنة من ذي قبل، وأهملت جمالها، وأصبحت أبغض عودتي إلى المنزل لأنني أرى امرأة أخرى غير تلك المرأة التي أحببتها، فقد قارب وزنها من أوزان أبطال رفع الثقال، ولم تعد تستطع ارتداء الفساتين أو البناطيل، وأصبحت العباءة الواسعة غير محددة الملامح هي الرداء المفضل لها، وفي اعتقادي أنها ومنذ خمس سنوات تقريبا ربما لا تنظر إلى نفسها في المرآة، لأنها لو كانت فعلت لكانت على الأقل صففت شعرها المنكوش دائما بشكل يثير الضحك أحيانا.
عاتبتها أكثر من مرة وطلبت منها مرارا وتكرارا أن تهتم بنفسها، ودائما لا أجد منها سوى البكاء والوعود الكاذبة وبأنها ستفعل ما يرضيني، وتمر الأيام و«تعود ريما لعادتها القديمة»، لا «شياكة» ولا اهتمام بالقوام ولا شيء يذكرنا بها في الماضي الجميل.
صرت أحلم وأتمنى عودتها لقديم عهدها من جمال يبهرني ويبهر كل من حولي، لكنها لم تهتم بكلامي وتحذيراتي بل ولا تعي رسائلي المتتالية.
لقد استسلمت لبشاعتها، وصرت أعود إلى المنزل وأنا أبغض صورتها الجديدة وهي امرأة في قوام شجرة الجميز، منكوشة الشعر، تنبعث منها روائح البصل والصلصة، وأذكرها من حين إلى آخر بوصايا أمامة بنت الحارث لابنتها أم إياس عندما تزوجت بألا تجعل زوجها يشم منها إلا أطيب الريح، وألا يرى منها ما يكره، فيكون ردها بالإيجاب دائما، وأنها ستحاول ولكن دون جدوى.
والمشكلة أنني أخشى الله ولا أحب الوقوع في الخطأ وأنظر لزميلاتي والبنات من حولي وكيف أنهن يهتممن بأنفسهن وأشعر بالقرف والنفور منها، ولا أدري ماذا أفعل وأنا لا أرغب في الزواج من أخرى خوفا على أولادي الذين أرغب لهم نشأة سوية في ظل والدين متحابين حتى لا يعانون من التفكك الأسري.
هزت الزميلة رأسها وقالت له هناك حل أخر، عليك أن تطلب تدخلا من أقاربها وليكن والداها مثلا وتعرض عليهم المشكلة، وعليها أن تعرف أنك تمنحها الإنذار الأخير وإذا لم يصلح حالها، أخبرهم أنك ستتزوج فربما كانت مطمئنة بأنك لن تفعل ذلك مطلقا، لكن إذا شعرت بأن هناك خطرا سيهدد بيتها بسبب إهمالها في نفسها فربما تعود ثانية لسابق عهدها وتهتم بنفسها خوفا من وجود امرأة أخرى في حياة زوجها.
هز رأسه بالنفي مؤكدا أنه لن يصلح حالها أبدا، وأردف: «ليتها تعود».
إيمان قنديل
