رجع وليد منهكاً من يوم عمل شاق مليء بالمشاكل والمفاجآت التي لم يكن يتوقعها عند خروجه من البيت، دخل إلى المطبخ مسرعاً لاستعجال زوجته بإعداد سفرة الغداء دونما تفكير في الأحداث التي مرت عليه في أول يوم له بعد انتقاله لمدرسة البنين الثانوية، حيث انتقل لتلك المدرسة في منتصف العام لضرورة استدعاها غياب طاقم الأخصائيين الاجتماعيين في تلك المدرسة وبموجب قرار إداري من إدارة المنطقة التعليمية.
وبعد أن تحلقت الأسرة على مائدة الغداء وأكل الأخصائي وليد بعض اللقيمات التي تقيم صلبه بدأ يسترسل بالحديث لزوجته عن أحداث الدوام المدرسي، وبدأت ملامح الاندهاش والتعجب ظاهر على وليد أثناء حديثه عن أول طالب مشاغب صادفه في المدرسة، حيث أطل عليه في المكتب شاب مفتول العضلات، والشارب بدا بوضوح في ملامح وجهه، وتعلوه سمة المشاغبة والعناد.. سألته ما بالك ولماذا أنت لست في الصف؟ أجاب الطالب بضعف: أستاذ الاجتماعيات طردني وأنا لم أفعل شيئا.
ذهبت إلى الأستاذ لأتحقق من الموضوع، لأجد أن الأستاذ لا يريد أن يناقش المسألة من شدة الغضب الذي كان يتملكه، فأخذ يصرخ في وجهي ويقول صبرت على تصرفاته كثيرا ولن أتحمل أكثر من ذلك، لن يدخل الصف إلا بعد أن يحضر والده.
لم أستطع أن أفهم أسباب المعلم ولكن ردة فعله جعلتني أوبخ الطالب بشدة، بعدها حملته إلى وكيل المدرسة لينظر في الأمر دونما علم مني بما كان قد تركه هذا الطالب من أثر نفسي فيمن حوله لأجد أن الوكيل في حد ذاته متعب من كثرة الشكاوى التي تراكمت في سجل هذا الطالب من ضرب ومشاغبة وإشعال حريق في حمام المدرسة .
فضلا عن ترويج السجائر للطلبة والعديد من المشكلات السلوكية التي لا يمكن حصرها، ويجد أن الحل الأمثل أن يطرد هذا الطالب من المدرسة ليرتاح الطاقم التربوي من تصرفاته، فضلا عن أنه يدرس في المرحلة ذاتها منذ ثلاث سنوات متتالية.
فلم يجد وليد أمامه حلاً إلى أن يتناول الهاتف ليستدعي والد الطالب لكي يجد حلاً لسلوك ابنه الاستفزازي. فعندما أدرك الطالب ذلك أنكب عليّ راجيا متأسفا بأنه لن يكرر سلوكه، ولم اقتنع بكلامه وفكرت مليا ثم عزمت على استدعاء أبيه حسماً لتسيب الطالب وإرضاء للمعلم وتطبيقا للائحة السلوك، كما أنني فكرت في أن نجد حلا مشتركا ومفيدا ليقوّم سلوك الطالب بصورة تربوية صحيحة كأن نعرضه على أخصائي نفسي تربوي يحلل شخصيته المشاغبة.
بعد فترة من الزمن حضر رجل طويل عاقد الجبين سلم عليّ بحرارة شديدة جعلتني أستشعر من خلالها قوة عضلاته المختبئة تحت ثنايا ضخامة جسمه، فما إن سمع مقدمة الحديث حتى انهال على الطالب بالضرب الشديد وكأنه حيوان صغير بين يديه، فأسرعت لأنقذ الموقف فإذا به يبعدني بضربة دفعت بي إلى خارج المكتب ليتجمع بعدها كل من في الإدارة المدرسية لإنقاذ الطالب من بين يديه.
أخذ يصرخ عليه بأنه شخص فاشل ولا يمكن أن يصبح إنسانا حقيقيا وأن كل من في سنه التحقوا بوظائف جيدة واستقر بهم الحال. فأدركت حينها لماذا كان الطالب مترددا من استدعاء والده، وأنه لا بد لي في بعض الأحيان أن أبحث عن حلول أفضل.
ابتسام الشاعر
