مطلقاً ابتسامته المفاجئة بوجه الزبائن الذين يلتهمهم التوتر والقلق وهم يعدون نقودهم التي سيرسلونها إلى عائلاتهم في أوطانهم البعيدة، يعيد «علاء منصور» إلى نفوسهم الكثير من الألق والدفء الإنساني الذي افتقدوه وهم محاصرون بهواجس حساب فروقات العملة بين هنا وهناك، «علاء» المحاسب في أحد محال الصرافة لم يمنح أوراق البنكنوت أية فرصة لتحكم سيطرتها عليه، بل تجده على الدوام وخلف الحاجز الزجاجي ممسكاً بعنق الأوراق المالية كمن يمسك بأوراق دعاية لعرض عن وجبات لدى أحد المطاعم.
ولكنه مطلقاً لا ينسى أن يمنح القلقين الذين يقفون أمامه ابتسامة حقيقية قبل أن يتناول منهم أوراق .. البنكنوت.. وحتى عندما فاجأته بقولي إن هذه الابتسامة تتناقض مع روح المكان، ابتسم وسألني..
ما الذي يجعلك تعتقد أن الابتسامة تتناقض مع طبيعة المكان؟
في الواقع لقد اعتدنا على أن يتعامل المحاسبون في البنوك ومحال الصرافة مع الزبائن بتحفظ شديد، إذ لا يبتسمون في وجوههم مطلقاً.
ربما ما تقوله صحيح جزئياً، ولكن هناك العديد من المحاسبين الذين يتعاملون مع الأمر مثلي تماماً؟
لازلت على قناعة أن هذا المكان يحتاج إلى شخص من نوعية خاصة، لأنها مهنة تتعامل مع الأرقام بعيداً المشاعر والأحاسيس، صدقني بأننا ربما في هذا المكان نتعامل مع الكثير من القضايا الإنسانية
وكيف ذلك؟
في مطلع كل شهر وعقب استلام الرواتب نتعامل مع العديد منها، عندما يبدأ العمال والموظفون بالحضور إلينا لتحويل المال إلى عائلاتهم.
هل لنا بالإطلالة على بعضها؟
أحياناً يأتيك شخص ليحول لعائلته مبلغاً يتساوى مع العمولة التي نأخذها، كما قد يأتيك شخص بعده مباشرة ليحول مبلغاً يتجاوز الـ 10 آلاف درهم.
وكيف تتعامل مع الموضوعين؟
صدقني أنني أعود في كثير من الأحيان إلى منزلي وعلى كتفي الكثير من الهموم مما رأيت في يومي، لذلك فإنني أقدم للزبائن أبسط الأشياء .. الابتسامة!
ما هو الموقف الذي واجهته خلال عملك واحتجت لفترة لتنساه؟
في الواقع هو ليس موقفاً واحداً، بل موقفان، ولم أتمكن من نسيانهما حتى اليوم رغم مرور أكثر من عامين على حصولهما
وما هما؟
أولها ذاك الشاب الذي كان قد دخل علينا طالباً بلهفة شديدة تحويل مبلغ 100 درهم لأحد أقاربه ليقوم بشراء هدية عيد الأم لوالدته، وفق عادة لم يتخلف عنها منذ سنوات طويلة، وعرفت عندما انخرط في نوبة بكاء حادة أن الهدية هي مجرد باقة زهر ستوضع على قبرها كونها قد توفيت منذ أيام قليلة.
ماذا عن الموقف الثاني؟
وهو المتعلق بمجيء شاب لتحويل مبلغ 30 درهما لحبيبته في الوطن لتشتري بها زهرة بمناسبة عيد الحب.
وفيما كنت أغادر بعد تحويلي للمبلغ المخصص لقسط المنزل الذي اشتريته في الوطن ناداني «علاء» لينبهني بأنني لم أدفع بدل المبلغ الذي قام بتحويله لي.. وغمز بعينه مبتسماً!
خالد اللوباني
