ما إن بلغت الأربعة عشر ربيعاً حتى جاءها عريس يطرق باب أهلها الذين لم يمنعهم صغر سنها من الموافقة عليه رغم أنه يكبرها بخمس عشرة سنة؛ فالمؤهلات التي يحملها كافية بنظر الأهل للإسراع في قبوله زوجاً لابنتهم، وضع اجتماعي جيد وحالة مادية ممتازة.
سرّت سعاد بالعريس فالثوب الأبيض الذي تحلم فيه آن أوان لبسه والتبختر به أمام صديقاتها، مضى شهر الخطبة سريعاً وزفت سعاد لعريس العمر، عاشت سنوات زواجها بسعادة وسرور إلى أن تقدم أخو زوجها لطلب أختها بالغة الجمال ومع إلحاحها وبكائها لإكمال دراستها رفض الأهل تزويجها مما أغضب والدة زوجها وتوعدت بأن ترد لهم الصاع صاعين. مرت أشهر ونسي الجميع ما حدث إلا أن حماتها «والدة زوجها» لم تنس فكيف يرفضون ابنها الوسيم صاحب المال والعز، فتقرر أن تنتقم من أهل «كنتها» بابنتهم لكن كيف ذلك وهي تعيش مع زوجها والسرور يغمرهم والسعادة تكتنفهم.
تبدأ الأم تنفيذ مخططاتها لتدمير زوجة ابنها باختلاق المشكلات معها فمرة زوجتك لا تحترمني أمام الجيران والأقارب وأخرى امرأتك غير مرتبة ولا تليق بمكانتك وهكذا حتى أصبحت انتقادات الحماة لكنتها موشحاً يسمعه الابن مع كل مرة يلتقي بها أمه، وبات لا يستطيع تحمل رؤية زوجته فما إن يقع عليها نظره حتى تتراءى أمامه جميع الأوصاف السلبية التي يمكن أن تحملها المرأة المستهترة والتي لا تستحق أن تكون زوجة.
تبحث الأم عن زوجة ثانية لابنها وفعلاً تجدها تعرض الأمر على ابنها فيرفض قائلاً لها: ماذا سيصنع أولادي الثلاثة إن لم تقبل أمهم أن تبقى على ذمتي مع «ضرتها» تجيب الأم: لا بل ستقبل ولن تجد أمامها خياراً آخر فأهلها غير قادرين على مكوثها بينهم فحالتهم المادية لا تحتمل.
يخبر الزوج زوجته بأنه ذاهب في رحلة عمل إلى الخارج وسيستغرق غيابه أسبوعاً كاملاً، لم تشك سعاد لحظة بأن السنوات الجميلة التي قضتها مع زوجها ستتحول إلى غير ذلك وهي التي لا تتوانى في تنفيذ طلبات زوجها وإسعاده وتبدأ مع أولادها توقع نوعية الهدية التي سيجلبها معه زوجها لها ولأبنائه الثلاثة.
بعد أسبوع يرجع الزوج من رحلته المزعومة فيفتح الباب ويتعمد إصدار صوت بالمفاتيح التي يحملها لينبه زوجته وأولاده بمقدمه، يركض الأولاد والأم إلى الباب فرحين برجوع رب البيت مستبشرين بالهدايا التي يحملها لهم كعادته، لكن يتفاجأون بامرأة ترافقه مبتسمة ابتسامة عريضة ويبادرهم مالكم تقدموا وسلموا على زوجة أبيكم.
سيطر الوجوم على وجوه الجميع ووقعت الكلمات على مسامع الزوجة كالرصاص المباغت فالهدية التي كانت تنتظرها وأولادها ما هي إلا ضرة لها، فتصاب من حجم الصدمة التي واجهتها بانهيار عصبي تنقل على إثره إلى المستشفى، الذي ترقد فيه أياماً لتخرج منه وقد لازمها مرض نفسي لا تقوى معه على التفكير السليم.
وذات ليل وبينما زوجها يرقد إلى جانبها تستل من الفراش وتذهب إلى المطبخ عائدة بسكين وتطعن زوجها عدة طعنات فارق على إثرها الحياة، وتقف إلى جانب جثته وتضحك ضحكاً هستيرياً أيقظ باقي سكان المنزل الذين هرعوا إلى غرفة النوم ليجدوا الزوج وقد غرق بدمائه لافظاً أنفاسه الأخيرة، يبلغ الخبر الحماة فتصاب بالسكتة القلبية وتلحق بابنها إلى مثواهما الأخير، وتودع الزوجة السجن ويبقى الأولاد عند زوجة أبيهم لترعاهم وتكمل تربيتهم.
زاهر العلي
