توفي زوجي ولم يبلغ ابني التاسعة من عمره، وضاق بنا الحال حتى اضطررت إلى مزاولة الحياكة والتطريز وأشغال الإبرة، وكان أبي قد ترك لي إيرادا صغيرا وهو الذي أعيش به الآن ..وافتقد ولدي أباه، ونشأ غلاما ثائرا متمردا، طموحا كغيره من الشباب، وسلك سكة متعرجة تطرق أبواب المجهول دون أي اعتبار لأحد.

فما إن تخرج من الجامعة، حتى رحل إلى نيويورك رغم رفضي لذلك، ولا بد أنه نجح في عمله هناك، لأنه كان يرسل لي نقودا بانتظام، ولكني لم أره طيلة تسعة أعوام. واغرورقت عيناها بالدموع ومضت تقول: لقد آلمني فراقه ..

ولكن ألمي كان أشد حين عاد، لأنه كان في مأزق .. ولم أعرف تماما ما هي متاعبه، فقد أقبل في منتصف الليل، كان شديد الهزال والنحول، ويبدو أكبر سناً مما هو عليه حقيقة، ولم يكن يحمل من المتاع سوى حقيبة صغيرة سوداء، وحينما حاولت فتح الحقيبة، رفع يده وهمّ بأن يضربني .. نعم همّ بأن يضربني، وأنا أمه.

هدأته ثم وضعته في الفراش كما كنت أفعل وهو طفل، ولكن لم يغمض له جفن، وظل يبكي طوال الليل. في الصباح .. طلب إلي أن أغادر المنزل لبضع ساعات، وقال إنه يريد أن يفعل شيئا، ولم يوضح لي طبيعة ذلك الشيء، ولكني لاحظت حين عدت في المساء أن الحقيبة اختفت.

وهنا أفرغ الضيف في جوفه ما تبقى من عصير الليمون في الكأس وسأل: كيف تفسرين ذلك؟

لم أعرف على الفور ما حدث، ولكني عرفت كل شيء في المساء، فقد اقبل شخص إلى المنزل في المساء، ولا أعلم كيف دخل، ولكني علمت بوجوده حين سمعت صوته في غرفة ابني، فألصقت أذني بباب الغرفة، وحاولت أن أنصت إلى حديثهما لأعرف نوع المتاعب التي تقلق ميشيل وتؤرقه.

ولكنني لم اسمع سوى صيحات الغضب وعبارات التهديد، وفجأة .. - صمتت العجوز لحظة، وغاص رأسها فوق صدرها كما لو كانت الذكريات تثقل كاهلها- ثم عادت إلى الحديث: فجأة، دوى صوت طلق ناري، فاقتحمت الغرفة، ورأيت احدى النوافذ مفتوحة، وقد اختفى الزائر المجهول، أما ابني فكان ممددا على الأرض جثة هامدة.

وصمتت المرأة مرة أخرى .. ثم عادت إلى سرد قصتها.

- كان ذلك منذ خمس سنوات، خمس سنوات طوال، وقد انقضى بعض الوقت..

قبل أن أعرف الحقائق كلها من رجال الشرطة.

ويبدو مما قاله رجال الشرطة، ومما حدث في ذلك اليوم المشؤوم

أن ابني والشخص الآخر اشتركا في السطو على أحد البنوك، وسرقا بضعة آلاف من الدولارات، وأن ابني أراد الاحتفاظ بالمبلغ كله لنفسه فجاء به في الحقيبة، وطلب مني مغادرة المنزل ليتسنى له إخفاؤه في مكان ما، وحين أقبل شريكه في مساء اليوم التالي للمطالبة بنصيبه، ولم يجد المال .. أطلق رصاصة عليه صرعته على الفور .

وهذا هو السبب في أنني قررت بيع البيت، بمبلغ كبير لأني كنت أعلم أن قاتل ولدي سيعود يوما ما وسيحاول شراء هذا المنزل بأي ثمن، للبحث فيه عن الحقيبة .. وأصبحت كل مهمتي أن أنتظر بفارغ الصبر .. حتى يأتي الشخص الذي يبدي استعداده لشراء هذا المنزل المتداعي بالثمن الباهظ الذي حددته.

قالت ذلك ونظرت إلى الزائر الذي جاء لشراء البيت وعلى شفتيها ابتسامة ساخرة ماكرة.. بدأ الرجل يترنح في مقعده وقد زاغ بصره، وحين حاول إعادة الكأس إلى مكانه لم يستطع .. وسقط الكأس من يده. وسمعته المرأة يغمغم بصوت متقطع: - يا إلهي! ما أشد مرارة هذا العصير! وكانت تلك آخر كلمة نطق بها قبل أن يقتله الشراب المسموم.

(منقول)