«عبّود.. عبّود.. امسك الكره.. هات بسرعه قبل ما يأخذها سلوم بو رأس»..
«ما يستوي.. والله غشاشين.. خلاص أنا مب لاعب».
بخطى حافية تخطئ مسحوق الزجاج المتناثر على الشارع تارة .. وتصيبها بصلابة تارة أخرى.. اتجه سلوم بوراس إلى الدكان.. كان الوقت عصراً.. عندما فارق اللعب على إثر شجار روتيني مع عبود وعدد من «فريخات» الفريج.. سيستأنف بعدها الأحداث بهمة الأبطال.. مرتوياً بمشروب طاقة من عند دكان «ناصروه» مستعيداً زهو الطاووس الذي يظن، فتلك كانت مجرد استراحة محارب.. يتعب ولا يموت..
آه !! أخيراً.. تستعيد الذاكرة شيئاً من مدادها الذي كان.. وتنفخ زفيرها فوق غبار الذكريات الملقاة في الجانب الساكن منها.. لتستعيد مشهداً قادماً من بعيد.. ويستحضر بسخرية ثأراً قديماً..
هدوء الأيام الشتوية غير مسبوق..
الكهرباء تسكت عن دويها المعتاد وتستريح أمام سيل النسمات الباردة.. تلك الأخرى التي تسترخي طقوسها على ساعات النهار القصيرة، فيبقى اهتزاز الهواء أكثر طنيناً.. وتنساب الأصوات بقوة الصورة.. فتغرّد العصافير إيذاناً بعصر مسرور.. وينطلق الصغار في اللعب دون توقف.. بينما النافذة الموشحة بشيفون الستائر مذياع ينقل بصفاء ما يحدث في مسرح «الفريج»..
حنين الكبار ..
في خيمة الفريج.. التي نصبت في «الرايح» بين مكعبات البيوت الملتحمة بشيء من الحب، والكثير من التعود والتآلف.. تجهّز شيخة عجين الحناء لجارتها، التي آثرت جلسة حناء تقليدية، على تلك التي غزت الصالونات النسائية.. فهذا الجميل متبادل ترده الجارة عفراء بينما تتمدد على الجلسة القريبة كأميرة فارسية، وتستعد شيخة لرسم أول خطوط القصّة على قدميها.. شيخه تحني عفراء.. وعفراء تصنع لها التلي.. وفاطمه تحضّر أقراص البخور في الزاوية الأخرى وكل يعزف على النغمة التي يجيد ..
«تدرين عاد.. مانروم نقصّر بعوشه.. حليلها راعية واجب».. «هيه نعم.. تستاهل بنت سيف.. ما تقصّر ويا الصديج».. عوشه.. زهرة من ذات البستان.. تغرق في تجهيزات عرس ابنتها.. وتخوض صديقاتها تفاصيل التجربة نفسها.. بذات الشغف والفرح.. ويصبح العرس شأناً عاماً.
شرخ الصداقة ..
«عبود شو سويت؟.. زين ما ذبحته!''.. ''آآآآي راسي.. راسي.. وين بتسير عنّي يا الحمار؟».. تتدحرج صرخة سلوم من آخر الفريج.. وترتطم بنافذة الخيمة المشرعة على مسرح الأحداث الخارجية.. بينما يختفي عبود في ظروف غامضة.. ولا يبقى سوى نعاله المغبر على ناصية الرصيف.. ويهرب بجلده خوفاً من ذنب ارتكبه على مزح كاد أن يودي برأس سلوم.. ويصبح سلوم بدون لقب وبدون راس!
«حسبي الله ونعم الوكيل يا شيخه» «هذا مب حس سلوم ولد عبد الله ولديه؟».. «خير إن شا الله.. هيه والله.. هذا سلوم ياي يركض وراسه يقطر من الدم».. يلهث سلوم ويصرخ بأنفاس متقطعة متوجهاً بحديث غاضب إلى الجدة عفراء.. «قولي حق عبود هالحمار.. براويه والله بزخه وبضربه ضرب».
عبود الآخر هو حفيد عفراء.. العلاقات هنا أيضاً متوارثة بمودة.. الجدات والأبناء والأحفاد.. يقتسمون رغيف الصداقة ذاتها.. بمراحلها المختلفة النمو.. الشقاوة والنضج والحميمية.
«ما عليك شر يا ولديه، الحين بنروح البيت وبداويك.. وإن شا الله بتصبح بخير».
«لا.. أنا ما بروّح قبل ما أضرب عبود».. «سير اضرب ابوك.. تراه ضارب بو عبود يوم هو صغير.. الحينه هو يأخذ قضا أبوه»..
تتبادل الجدتان نظرات مبتسمة.. تستعيدان حكاية بالأبيض والأسود.. سال فيها دم والد «عبود».. وتنخرطان في موجة من الضحك.. تمسحان ذنب اللعب والشقاوة وتداويان جرحاً كاد ينسف الصداقة.
أمل الفلاسي
