الحج فريضة فرضها الله تعالى على عبادة المسلمين لترويض النفس وتعويدها على الطاعة، ورغبة منه سبحانه وتعالى في تطهير نفوس عباده، وجمعهم في مكان للإعلان عن السمع والطاعة، وهي فريضة يراها الفقهاء عبادة العمر وختام الإسلام وكمال الدين.
وفلسفة الحج في أساسها تقوم على نقل المسلم من حياته اليومية الرتيبة التي يجد فيها الشيطان فرصاً كثيرة لإغواء الإنسان إلى حياة يغلب عليها الروحانية الحالمة التي تذوب طاعة وحباً في خالقها ـ خالق السماوات والأرض ـ .
ومن ثم لا يجد الشيطان فرصة سانحة لإغواء هذه النفوس التي تدمن الطاعات في هذه الأيام في الأماكن المقدسة، فيكون المسلم طائعا ورعاً في حجه ليعود مرة أخرى إلى حياته العادية، ليجد شرع الله يخبره بأنه لو أراد الفلاح والنجاح لابد له من الاستمرار في الطاعة وترك كل أشكال المعصية، ولذلك فالحج عبادة وكمال الدين.
وحول معاني وفضائل الحج تقول راية المحرزي مستشارة أسرية واجتماعية وواعظة: الحج عبادة عظيمة الأجر والثواب يمحو الله تعالى بها الخطايا ويهدم ما قبلها من السيئات ويرفع بها الدرجات وما أجلّها من طاعة وفريضة ينبغي أن يحرص المسلم على أدائها بالكيفية التي شرعها الله تعالى: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الألْبَابِ».
وكما أدّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: «خذوا عني مناسككم» وبشّر عليه الصلاة والسلام فقال «من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» وقال صلى الله عليه وسلم: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».
ويقول د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الشريف : الحج فريضة إسلامية فرضها رب العزة علي عباده، لتكون ضابطاً للسلوكيات ومحدداً للتصرفات التي تصدر من المسلم، فالمسلم يجب عليه أن يصفي نفسه قبل عودته من حجه، وأن ينوي التوبة عن كل ما يغضب الله تعالى ليكون حجه مبروراً وليغفر ذنبه فيكون عائداً من هذه الرحلة كمن ولدته أمه.
ويضيف د. طنطاوي: إن غاية الحج تمتد إلى ما بعد أداء مناسكه وشعائره، لأن ثواب الحج مشروط بما سوف يصدر عن الحاج من سلوكيات عقب عودته من حجه، فالمسلم لكي يكون جزاؤه الجنة يجب أن يجعل من هذه الرحلة الروحانية بداية له للسعي الجاد وراء إرضاء الله تعالى بحسن عبادته والابتعاد عما يغضبه.
ويقول الشيخ محمد حسن فتح الله بالأزهر الشريف : الحج عبادة العمر وختام الإسلام وكمال الدين، وهو رحلة إيمانية وليس مجرد مناسك وشعائر يؤديها المسلم، بل شرعها الله تعالى لتكون منهجاً لحياة الحاج بعد عودته، وذلك بأن يتحلى بأخلاقيات الحج وآدابه طيلة حياته، حتى يكون حجه مبرورا ثوابه الجنة، ويعود على صاحبه بالبر والخير والنفع في دنياه وآخرته، تصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. قيل وما بره؟. قال إطعام الطعام وطيب الكلام».
وعلى الحاج أن ينتهج أخلاق الحج بعد عودته بأن يأكل الحلال ويتجنب الحرام، ويمشي بين الناس متجردا عن الشهوات وقول الزور، وكل ما يفسد حياته من المحرمات والمحظورات، فغاية الحج أن تكون الصلة بين الإنسان وربه صلة ممتدة متصلة لا تنقطع أبداً، لأنه وصل نفسه بربه سبحانه وتعالى بالطواف والسعي حول رموز جعلها الله تعالى رموزاً للطاعة والعبادة. كما أن الحج يعتبر تدريباً للإنسان المسلم على تطبيع سلوكياته وأفعاله مع أوامر الله ونواهيه بعد العودة من أداء شعائر الحج.
بحيث تكون أعمال الإنسان كلها خالصة لوجه الله تعالى، ولا يفعل إلا طيب الفعل ولا يتحدث إلا بطيب الكلام، ولا يتحلى إلا بمكارم الأخلاق حتى تكون علاقته بخلق الله تعالى علاقة طيبة كريمة، وحتى يحقق المراد من فريضة الحج التي جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفضل الأعمال حينما سئل عن أفضل الأعمال، فقال: «إيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيل الله ثم حج مبروراً».
ويقول د. علي أبو دومة بجامعة الأزهر: حرص الإسلام الحنيف علي تربية أخلاق الأمة، وتهذيب سلوك أفرادها، من خلال فرائض شرعها علي المؤمنين به، وقد اجتمعت هذه الفرائض على غاية سامية لصلاح حال حياة الإنسان وتعديل سلوكه، ليكون فرداً نافعاً لأهله ولإسلامه. والحج -باعتباره أحد هذه الفرائض- يسعى بالمسلم للوصول إلى هذه الغاية السامية، فهو ليس مجرد رحلة أو نزهة أو مجرد تأدية مناسك وشعائر معينة.
بل هو منهج متكامل لتقويم سلوك الحاج، ولتحقيق خيرية حياته وصلاح نفسه وقلبه وعقله، وهذه هي الفلسفة العميقة لفريضة الحج، والتي لا تكتمل إلا بالاستمرار علي منهج الإسلام في الحياة، وتطبيق مبادئه وقواعده على معاملات الإنسان مع أخيه الإنسان، وذلك بتعديل السلوك الإنساني من القبح إلى الحسن، ومن الباطل إلى الصواب، ومن الظلم إلى العدل، ومن القسوة إلى الرحمة، ومن الأنانية إلى الإيثار.
ومن التفرق إلى البر والتعاون، إلى غير ذلك من الفضائل التي ينبغي أن تتحول إليها تصرفات ومعاملات الحاج، بعد أن تشبعت نفسه بجرعة إيمانية اكتسبها من عظمة شعائر الحج. وكذلك ينبغي على الحاج أن يعلم أن ما كان ملتزما به من الفضائل والسلوكيات أثناء الحج، فهو مطالب بأن يحافظ علي التزامه بها بعد عودته، حتى يكون حجه مبرورا.
وتقول د. سعاد صالح بكلية الدراسات الإسلامية والعربية: جاء القرآن الكريم والسنة النبوية بدعوة أخلاقية من عند الله، تتمثل في المحبة والإيثار والعطاء والرحمة، وتلك أخلاقيات عامة يجب علي كل مسلم أن يتحلى بها، والحج كفريضة إسلامية عبارة عن شعائر ومناسك تعبر عن تلك الأخلاقيات.
ولذا فعلى الحاج أن يتحلى بها ليس فقط أثناء تأدية شعائر الحج، بل لابد أن يظل محتفظا بالتخلق بها إلى آخر يوم في حياته، حتى يكون قوام الأمة الإسلامية هو التعاليم الفاضلة والقيم المثلي، فمن دون هذه القيم وتلك الفضائل الرفيعة ما كان للحج هيبة روحية في نفس المسلم.
ويقول د. عبد الله بركات عميد كلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر: فسر العلماء والفقهاء «الحج المبرور» بقولهم: هو ما يكون حال الحاج بعد الحج أفضل مما كان عليه قبل الحج. فغاية الحاج ليست فقط في أداء مناسكه وشعائره، بل إن غايته -أيضا- لصلاح حال الحاج بعد حجه، وتقويم سلوكه وتربية نفسه على التقوى وحسن الأخلاق وطيب المعاملة.
