مهما عاد وايا كان الماضي فقد ولى، أنا لا املك أي حيلة لتغيير أي شيء انقضى وكنت أركز انتباهي للحظة الراهنة والمكان الحاضر الذي من خلاله استطيع أن اخفي ما هو مستحيل إخفائه، وكان من الصعب إخفاء أو مقاومة الرغبة في تحدي الأمور التي هي مؤدية للضياع.
وعندها حاولت الانتباه أكثر لكي اعلم ما يجري من حولي وكنت اشعر بالرغبة للانتهاء من هذا الكابوس الذي سيطر على عقلي وبدني، كنت انتظر اللحظة للانقضاض على الوقت كي انهي ذلك الكابوس الذي لازمني ثلاث سنوات وهي سنوات الدراسة..
لقد كنت ازاور الماضي بدافع الشعور بالندم وأصارح نفسي بدافع الشعور بالندم وهذا الذي أثقل كاهلي وتفكرت بعظيم ما اقترفته نفسي بحقها وبحق والداي اللذين ضحا بالغالي والنفيس، لقد أهملت دراستي وشعرت بعدها بالندم لقد أقدمت على اتخاذ قرار سيئ أثرت على كل من حولي أمي وأبي وإخوتي وحتى الأصدقاء.
ولم يكن بوسعي أن أنظف صحيفتي التي امتلأت بالنقاط السوداء من سوء تصرفي وعدم اكتراثي، وكان علي أن اعترف بالخطأ وسعيت جاهدا عدم تكراره ثانيا. كنت في ذلك الحين في سن المراهقة وكنت قد ابتليت بأصدقاء السوء وتعلمت شرب السجائر...
كان والدي دائما ينتابه الشك إنني على معرفة برفاق السوء، وذلك لإهمالي الواضح بالدراسة، حاول جاهدا على كشفي..لكنه لم يستطع لقد كنت حذرا لا اترك مدخلا لأحد ولا ثغرة لكشفي، حتى والدتي كانت على علم إنني غير طبيعي في تصرفاتي.
كانت دائما تبكي لكي تراني ولدا صالحا مواظبا على الدراسة والصلاة..وفي يوم اشتد فيه المطر وكنت على موعد مع الأصدقاء خلف منزلنا يوجد بستان صغير نضع فيه ونخبئ علبة السجائر، فلم استطع بذلك اليوم الخروج فلم أجد أمامي سوى علبة السجائر التي تخص والدي الذي راهن على نفسه في شهر رمضان ان يترك تلك العلبة ولا يرجع للتدخين ولن يعود اليها ابدا...
اضطررت لأخذ سيجارة واحدة وأصبح الأمر سهلا بالنسبة لي فهو لا يفتح العلبة ولا يعلم انه نقص منها شيء وكررت هذه الطريقة عدة مرات ولم ينتبه لي والدي وكنت أقف على نافذة الحمام لأدخن السيجارة..
وكان قد اقترب موعد الامتحانات والخوف والريبة كانت قد سيطرت على نفسي فإهمالي الدراسي بدأ يظهر بشكل واضح لجميع أفراد الأسرة المكونة من احد عشر شخصا..هي الثانوية العامة، هي المرحلة التي تؤهل الطالب للجامعة لم يبق من الوقت الكثير...
أدركني الوقت وحان موعد الحساب..فذهبت باليوم الثاني للمدرسة واستلمت الشهادة القبل نهائية.. للاستعداد للعطلة الشهرية ما قبل الامتحانات... و كل ما حصلت عليه من علامات لا تدخلني حتى كنادل في مطعم..وعدت للمنزل وعندها أمرني والدي بإحضار الشهادة ليراها وكنت قد اتفقت مع احد المدرسين بإعطائي شهادة مزورة...
ووافق المدرس لانني كنت من المتفوقين في هذه المادة ووضعت كل العلامات وأعطيت الشهادة لوالدي وحينها بادر الوالد بالأسئلة وشعر أن الشهادة مزورة وحينها كان ايضا علم بأنني اشرب السجائر من احد الأشخاص الذين رؤوني...وحينها قررت الهرب إلى بلد قريبة وفعلا أخذت أمتعتي المتواضعة ووضعتها في شنطة المدرسة بدلا من الكتب..
وغادرت صباحا كالعادة للذهاب للمدرسة..ولكن هذه المرة اتجهت إلى البلد المجاور وقطعت الحدود هربا من الخوف ومن والدي الذي كان حينها لا يرحم من يخطئ..وغبت عن الأنظار لمدة شهر...
وكانت أسرتي في حالة توتر وقلق وخوف هل أنا ميت أم قتلت أم ماذا أسئلة كثيرة، وكان الوالد بدوره لا يهدأ له بال وهو يبحث عني وتحول جو الأسرة إلى عزاء..كانت الطامة الكبرى على والدي..
لم يكن يتوقع ما حدث فزمام الأمور مسيطر عليها من طرفه ولا احد من إخوتي كان يستطيع أن يخالف له أي أمر، لقد كان فعلا أبا قويا ولكنه تحول بلحظة هروبي من المنزل إلى طفل صغير يبكي..كم هي الظروف قاسية لقد كان جبروت والدي وقوته تدفعني لارتكاب ما هو عكس ما يريد..لقد أصبحت إنسانا لا قيمة له الضرب هو أساس التعليم بعد النقاش..
واعتركت الحياة العملية حينها في هذا البلد لمدة شهر شعرت بالرجولة وشعرت انه ليس صعبا على الإنسان أن يتحمل المسؤولية، ولكن للأسف كانت على حساب صحة والدي التي تدهورت حين يئس من العثور علي..وتدهور صحة والدتي التي بكت دما على فراقي...
عبدالرحمن الوهيبي
