إحدى حكايات الفرح في الحياة.. التصقت بأحداثها .. رسمت لحظات الفرح فيها، تساقطت بهجة في الأسماء.. والأماكن.. هي رسائل الخير عبر الأزمان، وحكايات توثق تاريخ البسطاء.. وتستحضر قصص ارتبطت بماء السماء.. وهداياه التي أغدقها على الحجر.. والبشر .. فاتسمت به.. وارتسمت بفصوله القصيرة.. في صحراء صامدة .. تتعثر في إنجاب الفرح غالباَ..
رذاذ ..
«عشبة».. تلك الصغيرة التي أبصرت الحياة في موسم عز.. كانت موضع سخرية أقرانها في الطفولة.. وكان اسمها الرباعي ذلك سبباً في سكب المزيد من الدموع.. عند بداية كل سنة دراسية.. «ياربي ما حصلتوا غير هالاسم؟ كل البنات يعايروني»!
كانت الأمطار لا تزال تكاثر الخير.. حتى اخضرّت الدنيا.. وامتلأت الصحاري بفراش أخضر ناعم.. وزهور بيضاء كالأقمار على الأرض.. كان شتاءً لن يتكرر كما قال الأهالي، رزقت في صباحه الأخضر حمدة بمولودة المطر.. نزلت كقطرة مطر صافية أنعشت حياة والديها.
فكان لا بد من إكرام الضيف.. حتى يعود ثانية، فالعادات تقول إن للزمان والمكان حق علينا.. وهما مرتبطان بشدّة بالفرح.. والحزن.. ومعينان على الأقدار.. فأُهديت «عشبة» للمطر وللأرض التي تحالفت معه.. وأنجبت العشب.. وأصناف خيرات الأرض.. فكانت «عشبة» ذكرى خير.. وبشرى خضراء لا يزال اسمعه يرتبط بأكثر المواسم غزارة.. فعمرها من عمر مواسم الفرح..
لم تختلف حكاية «عشبة» كثيرا.. عن ظروف المطر التي ولد فيها «غيث».. عندما كان المطر غيثاً.. روى الأرض العطشى.. حتى غصت بالخضرة وساد خيرها سنيناً.. وعلى إثرها لا يزال والدا غيث يقيسان عمر ابنهما بسنة الغيث تلك.. التي جاوزت النصف قرن.. فللأمطار حكايات.. فهي رسائل الخير التي اتكأت على أعمار البشر .. الذين يعرفونه جيداً.. ولايخطؤون انتظاره.. يرصدون أوله.. ويستمتعون بأوسطه.. ويرتحلون إليه حيثما كان.. في الأودية حيث ينتعشون بآخر أنفاسه المبتلة..
مزون ..
هو أغنية الرحمة التي رقصت على أنغامها الفتيات.. وبللت أثواب العيد والأمسيات.. ووضعت قرباناً له الأوعية والصواني المستديرة، في الأفنية.. وعند الثقوب التي تلتقط أصفى القطرات.. كانت حكاياته لا تقف عند باب المنزل فقط.. بل تذهب في صباحات ممطرة إلى المدرسة .. في حقائب الطالبات.. في «المراييل» المبللة فداءً للمطر.. تحتل برامج الإذاعة المدرسية.. فتصدح أصوات الصغيرات..
طاح المطر.. طاح المطر بيد الله
كسّر حوي عبد الله..
طاح طاح.. طاح المطر برعوده..
طاح طاح.. كسّر حوي سعوده..
يتبادل بعدها الكبار.. عبارات البركة والرحمة التي تغيّر نبرة الأحاديث.. فهذا موسم الخير.. والفرح.. الذي يرسل أخباره إلى البراري المخضرّة .. والملأى بحكايات النماء..
عندها يحلو التسامر على صحراء مخضرّة ..
أمل الفلاسي
