أمسكت الصغيرة قطعة الحلوى وهي تجاهد لفتحها، بينما كان الأب الشاب يراقبها صارخا بين الحين والآخر« لا تفتحيها اني أراك» رافعا سبابته أمام وجه الطفلة بطريقة مهددة جعلتها تنكمش في مقعدها الحديدي الضيق في عربة المشتريات.

طابور طويل يقف بانتظار الدفع، ومركز التسوق العملاق قلل عدد موظفي الصندوق الى النصف على الرغم من أن عدد زبائنه قد تزايد أضعافا في المدينة التي صارت تتوسع بسرعة كبيرة خاصة أن أسعار السكن فيها تعد معقولة قياسا بالمدن المجاورة، لذا كانت أرباح المركز تتحسن وخدماته تسوء.

لم تعد الناس تشتكي فقد ملت من الشكوى، الأغنياء يزدادون غنى والفقراء يتراكم أمامهم فقر على فقر، ولا حلول مرجوة في الأفق القريب، لذا ليست مشكلة الطابور أكبر المشاكل أو أهمها، وكان يمكن للطابور الطويل أن يكون أخف وطأة لو توقف هذا الشاب عن التهديد والوعيد لطفلته الصغيرة على مرأى ومسمع الكبار والصغار.

المكان مزدحم بنساء يدفعن عربات الأطفال ويرتدين ملابس مشجرة فضفاضة تزيد سمنتهم سمنة، وقصات الحجاب أصبحت تنافس قصات الشعر غرابة، ورجال يتذمرون مهمهمين يستعيدون ذكريات أيام العزوبية الخوالي بألم وحسرة، فالأسعار مرتفعة والدخل منخفض وأزمة العالم المالية جعلتهم يائسين من أية زيادة، بل أنهم صاروا مرعوبين من فكرة التفنيش التي تفترس رؤوسهم بالكوابيس والأفكار السوداء.

وفي المقاهي الموجودة في المركز كان الشباب يجلسون مع اجهزة الكمبيوتر المحمولة لتكتمل أناقتهم بها، فهم يرون أن المرء لا يكون حضاريا ولا عصريا ما لم يكن يمتلك جهاز كمبيوتر محمولا ويتحدث الانجليزية مع أصدقائه، أما المراهقات الصغيرات فقد وضعن على وجوههن من المساحيق أكثر مما تضع ممثلات السينما، وعلى رؤوسهن خصلات من الشعر المستعار ترتفع تحت الشيلة كما لو انها ديكة مختبئة يمكن أن تقفز في أية لحظة.

ما زالت الطفلة تمسك بقطعة الحلوى وما زال الوالد الغر يطلق التهديدات، وعلى الناس أن يتحلوا بالصبر لأنهم يقفون معه في طابور الدفع نفسه، حتى أن أحدهم فكر أن عليه أن يحصل على دورة نفسية للوقوف في الطابور وتقبل الآخرين وصراخهم، ويبدو أن صمت الواقفين شجع الرجل على الاستمرار بتهديداته باستعراض بهلواني ليفهم الآخرين أنه يفرض نظاما تربويا صارما مع طفلته، بينما لم تستطع الصغيرة أن تفهم إذا كانت قطعة الحلوى بيدها فلماذا لا تستطيع أكلها.

لم يؤازر الطفلة أحد من البالغين الواقفين، فمن يستطيع أن ينافس سلطة الأب؟ ومن يستطيع أن يقول له : اصمت كفاك صخبا لقد أوجعت رؤوسنا؟. لكن ما لم نعرفه أن الأطفال يتآزرون، فقد تركت طفلة في السابعة من عمرها مكانها مع والدتها وذهبت إلى الرجل وببراءة باذخة أخرجت نقودها قائلة: عمو هذه خمسة دراهم ادفعها للحلوى ودع ابنتك تأكلها ويمكنك أن تحتفظ بباقي النقود.

صدم الرجل وشعر بنفخته الكاذبة تنفجر ولم يعرف ما يقول للصغيرة الجريئة، وأمام صمته تقدمت وفتحت قطعة الحلوى وقدمتها للطفلة المنزوية على مقعد العربة الحديدي، نظرت الطفلة إلى ابيها لترى ردة فعله خوفا من عقابه، لكنها لم تستطع أن تفهم موقفه فكانت قطعة الحلوى أقرب إلى شهيتها ويدها، تناولتها بنظرة شاكرة للصغيرة التي تركت النقود في العربة وعادت إلى والدتها بابتسامة هادئة.

بقي الطابور بطيئا ولكنه صار أخف وطأة بعد أن صمت الرجل وأعاد النقود إلى الصغيرة معتذرا، لكن ضجة ارتفعت في مكان آخر حين كانت احدى السيدات تقف بعربتها المترعة بالمشتريات في طابور المشتريات القليلة التي يجب أن لا تتجاوز العشر وترفض مغادرة مكانها حتى تدفع مشترياتها .

وهكذا دارت الاعناق نحو السيدة لترى نتيجة تلك المعركة الجديدة، جاء المسؤول في المركز وتجمع الناس لذا كان السماح لها بالدفع والخروج أفضل الحلول لفض الزحام، فعاد الطابور إلى حاله وما من جديد سوى أن بعض الناس حسدوا تلك السيدة لأنها تجاوزت الطابور بصراخها.

دلال جويد