في كل يوم يخرج علينا البعض بتقليعة جديدة تمس الدين ودعائمه وأركانه وتمس القرآن الكريم، وهؤلاء ليسوا سواء بل هم خليط ما بين عربي ومسلم وما بين غربي وشرقي، هدفهم التقليل من الدين أو إضعافه في نفوس المسلمين، وانظروا معي إلى آخر التقاليعات التي نشرتها وسائل الإعلام مؤخرا عن قيام البعض بتلحين الأذان وتلحين بعض آيات القرآن الكريم، ومحاولة تلحين القرآن الكريم والأذان ليست وليدة هذه الأيام بل حدثت من قبل ولكن العلماء تصدوا لهذه الدعوة الغريبة في وقتها فلم تثمر حينها.
ولكن تأتي المحاولات اليوم وتفلح بعد انتشار الوسائل الحديثة وتعدد مذاهب واتجاهات هؤلاء، وعدم التصدي لهم، ففي الموقع الالكتروني المشهور «اليوتيوب» يوجد عرض لملف موجود باسم (القرآن ملحن ومرتل) وبه آيات ملحنة على العود وكأنها قصيدة شعر، وقيام عدد من الأشخاص في إحدى الدول العربية بتلحين الأذان.
وبعيدا عن حرمة تلحين القرآن الكريم وكراهة تلحين الأذان التي قال بها كثير من العلماء فإننا نريد أن نذكر هؤلاء بأن القرآن الكريم لا يحتاج إلى أن يتعب البعض نفسه ليلحنه، وعليه أن يريح نفسه من هذا العناء، وجهدهم غير مشكور، حيث دافع عنه من قبل أحد أئمة وكبار قريش وهو الوليد بن المغيرة.
فيروى عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال اقرأ علي، فقرأ عليه «إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى»، فقال أعد، فأعاد.. فقال: «والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته، وما يقول هذا بشر».
وإذا كان التحدي بالقرآن من ناحية البيان والبلاغة والألفاظ في الماضي والحاضر، فإن التحدي اليوم بإعجاز كتاب الله في كثير من المجالات العلمية، آمن بها علماء كثيرون من الشرق ومن الغرب، فصدق فيه قول الوليد بن المغيرة.
وقد تحدى الله سبحانه الأمم السابقة واللاحقة على أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو يأتوا بعدد من السور أو سورة واحدة، فلم يستطيع أصحاب اللغة وأرباب الفصاحة، فقال عز وجل: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) الإسراء/88.
وفرق كبير بين تلحين الآيات وبين التغني بها- وهو تحسين الصوت - فقد حث على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ورغب فيه، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن، وروى أبو داود والنسائي وغيرهما عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «زينوا القرآن بأصواتكم».
السيد الطنطاوي