قال الشيخ: ذكرنا أن الرزق بيد الله يؤتيه من يشاء، وأن على المسلم أن يحسن ما بينه وبين ربه وما بينه وبين الناس ثم يسلم تسليم المؤمن المحب، فإذا برزقه يأتيه من حيث لا يشاء، وقد قال الفضيل بن عياض: أبى الله إلا أن يجعل أرزاق المتقين من حيث لا يحتسبون.
والحق سبحانه وتعالى يرزق التقي من حيث لا يحتسب لأن التقي رغب إلى الله برزقه من حيث لا يظن أنه من أسباب الرزق «من حيث التقوى والطاعة والصلاح ومن حيث العبادة والتقرب ومن حيث ما ورد في الصحيح المأثور أنه من مفاتيح الرزق كصلة الرحم وبر الوالدين».
فكان جزاء من يطلب الرزق بغير أسبابه المادية المتعارف عليها بين الناس أو لنقل من يطلب الرزق من الله ويأتي أسبابه من حيث طاعة الله لا الثقة في الأسباب، أن يأتيه الرزق من خزائن السماء والأرض دون سبب من الأسباب المعهودة .
ومن حيث لا ينتظر الرزق منه عادة، وهكذا نجد أن للرزق سنة غير السنن المعهودة التي يعطلها الحق سبحانه وتعالى في أية لحظة. صلاح وتقرب وعمل بالأسباب دون أمل فيها... يؤدي إلى رضي الحق سبحانه الذي يؤدي بدوره إلى رزق لا من حيث الأسباب ولكن من حيث الكرم الإلهي.
فإن قيل ما الحل والمخرج؟ قلنا بإذن الله. يقول السري السقطي: أحسن الأشياء خمسة:البكاء على الذنوب، وإصلاح العيوب، وطاعة علام الغيوب، وجلاء الرين من القلوب، وأن لا تكون لكل ما تهوى ركوب.
والبكاء على الذنوب يقتضي أولاً المراجعة والمحاسبة دون تمييز للنفس والأهل والقوم والطبقة، وأمر التفات النفس إلى ما فيها ومراجعتها ونقدها أمر قد ندر اليوم مع كثرة من يدعو إليه وينصح به من علماء الإدارة والموارد البشرية.
والذنوب هو ما فيه ظلم للذات أو الآخرين واعتبار ظلم الذات ذنباً أمر يكاد ينفرد به الإسلام والقانون الإسلامي، في حين اعتبر الآخرون الذات أو النفس ملكية شخصية لصاحبها له أن يسيء إليها أو يهلكها إن استطاع ولا دخل لأحد في ذلك.
وظلم النفس يشمل كل ما فيه أذى للجسم أو للنفس أو للعقل، وكل حالة تسيء لصفاء النفس وسكينتها وصحتها وسموها، كالحسد والعجب والرياء والانشغال بما لا يليق، أما ظلم الآخرين فيبدأ من مجرد النزوع والنية وينتهي عند إيقاع الأذى الفعلي المادي أو المعنوي بأي آخر حتى الحيوان والبيئة.
فإن صحت المراجعة والمحاسبة وحددت الذنوب والآثام، وتلا كل ذلك الحزن والندم والإصرار والعزم على التطهر والتخفف من شرور هذه المعاصي على اختلافها وتنوعها بكبائرها ولممها، انزاحت الغمة وزالت الكربة وفرح العبد بربه وفرح الرب بعبده ؟فرحاً يليق بجلاله؟ وأوتي العبد من الرزق الباطن والظاهر ما تقر به نفسه فكثرت النعم وانكشفت النقم وفاضت الخيرات بإذن رب الأرض والسموات.
نقول هذا هو مفتاح الرزق الأول عندنا نحن المسلمين وإن رآنا البعض نهرف بما ليس ذي صلة بالموضوع. فخطط علاج الأزمات كما يضعها الاقتصاديون تحتاج إلى نفوس طاهرة وعزائم صادقة لتنفذها دون أن تسمح للفساد بأن يهدد آثار الجهود ونتائجها، وقد ذكرت اليوم وتذكر دائماً أرقام يبددها الفساد في بعض الدول تكاد تعادل ما يذكر عن دخلها الرسمي كاملاً، فأي إصلاح يرتجى والنفوس هي هي والنوايا هي هي والضلال هو هو والجرائم هي هي.
إن من عبث بقمح خبز الناس يحتاج إلى أن يعي مدى بشاعة فعلته خلقاً وديناً، مع الناس ومع الله، وإن من ما يزال يعتبر الفقراء هم المسؤولون عن الأزمات والمشكلات يحتاج إلى أن يعرف من هو بالنسبة لله ولخلق الله.
وإن من لا يستحي أن يقايض جوع الناس بدراهم تجمع في جيبه يحتاج إلى من يفهمه دوره على الأرض وما يراد منه عقلاً وشرعاً. وهذه كلها عيوب تستحق أن نبكي عليها وذنوب تستحق أن نتبرأ منها، إن كنا فعلاً قد بدأنا نشعر بقبض الله قبل بسطه وبخفضه قبل رفعه.
ماهر سقا أميني
