همس «س» في أذن صديقه قائلاً يمكننا أن نصبح من أصحاب الملايين إن ساعدتني في هذه المهمة فرد عليه صديقه قائلاً وأية مهمة هذه التي ستجعلنا من أصحاب الملايين، قال «س» سأشرح لك كل شيء بشرط أن يبقى الأمر سراً بيننا ولا يعرفه أحد حتى أقرب الناس إليك.

النزول إلى البحر

بدأ «س» يتحدث وصديقه يصغي إليه باهتمام كبير حيث قال: بينما كنت قبل يومين على الشاطئ لاحظت أحد الزوارق الذي يأتي بالبضائع من دولة مجاورة يقف بالقرب من الصخرة هناك التي لا تبعد كثيراً من الشاطئ ويلقي بأكياس في الماء.

وأضاف رغم أنني لا أعرف ما بداخل هذه الأكياس إلا أنها قد تحتوي على أشياء ثمينة يريد أصحاب الزورق أن يهربوها إلى الداخل فرموها داخل الماء حتى تسنح لهم الفرصة ثم يعودوا فيأخذونها.

هنا قال الصديق قد تكون هذه الأكياس مملوءة بالقمامة فأرادوا أن يتخلصوا منها قبل وصولهم إلى الشاطئ، لكن «س» قال لا أعتقد ذلك لأن الأكياس كانت مربوطة في حبل وكان الشخص الذي يرمي بها داخل الماء يرميها بعناية كبيرة وكان معه شخص يمسك طرف الحبل فلو كانت كما تقول أكياساً مملوءة بالقمامة لرموها دون أي اهتمام.

هنا قال الصديق ربما تكون أكياس مخدرات فأنت تعرف أن هذه المنطقة يكثر فيها مهربو المخدرات، قال «س» إذاً علينا أن نذهب وأن نغطس في الماء وننتشل تلك الأكياس، فرد الصديق بأن ذلك يتطلب غطاسين وأنا لا أجيد الغطس والمياه هنا عميقة، فقال «س» لا عليك فأنت تجيد السباحة وسنستأجر أدوات الغطس وسأكون إلى جانبك وسأساعدك، وعلى أية حال إن وجدت بأن الأمر صعب فما عليك إلا أن تخرج من الماء فأنت لن تموت ما دمت تعرف السباحة وما دامت اسطوانة الغاز فوق ظهرك.

تردد الصديق وقال أنا لا أريد هذه المغامرة ولكن علينا إبلاغ الشرطة فستقوم هي بالمطلوب، وإن كانت هناك مخدرات أو ممنوعات فستعطينا الشرطة 15% من قيمة تلك الصفقة أو على الأقل ستعطينا مكافأة جيدة.

رد عليه «س» قائلاً أنت إنسان غريب كيف تكون الثروة في يدنا ونسلمها إلى الشرطة، فأنا متأكد بأن هذه الأكياس ستضمن لنا مستقبلاً لا يقل عن مستقبل «أوناسيس» فلماذا لا نغامر، وننزل إلى البحر ونأخذ تلك الغنيمة التي ستجعلنا من الأثرياء، وإذا لم نجد في تلك الأكياس شيئاً فلن تخسر أنت أي شيء لأنني سأدفع أنا ثمن استئجار أدوات الغوص وثمن استئجار القارب الذي سيوصلنا من الشاطئ إلى تلك الصخرة.

وافق الصديق على الرأي قائلاً بأنه لن يخسر شيئاً لذا فلا بأس من المغامرة.

تحت الماء

طلب «س» من صديقه أن لا يُعلم أحداً بهذه المغامرة التي ستجلب لهما المال الوفير كما حدد «س» ساعة الذهاب إلى البحر بحيث تكون ساعة متأخرة من الليل ويكون الشاطئ خالياً تماماً من الناس وكانت الخطة تقضي بسحب الأكياس من تحت الماء وربطها في حبل في الجزء المغمور من الصخرة بالماء بحيث يعودان لأخذها مرة ثانية وسط النهار، فعندما يذهبان في المرة المقبلة بدون معدات غوص ويخرجان من الماء بالأكياس بعد وضعها في حقيبة فيها سمك فإن أحداً لن يشك بهما.

كان «س» يخطط وصديقه يستمع إليه، وفعلاً تم استئجار قارب أوصلهما إلى تلك الصخرة، قال «س» لصديقه أنا سأقوم بربط الأكياس في الصخرة وأنا سأقوم بالغوص تحت الماء والبحث عن الأكياس أما أنت فعليك فقط أن تمسك لي مصباح الضوء وأن تبقى ثابتاً في مكانك حتى استطيع أن أتحرك وأبحث عن تلك الغنيمة بحرية لأجد الأكياس كلها فربما يكون موج البحر جرفها إلى مكان آخر ولكن حتى لو حدث ذلك فإنه سيكون مكاناً قريباً.

أحس الصديق بأن «س» سيقوم بكل شيء وأن مجرد الإمساك بمصباح الضوء ليس بالعمل الصعب أو الخطير.

ما كاد الصديقان يصلان تحت الماء حتى بدأ «س» يبحث عن الأكياس، لكنه لم يجد شيئاً فقال لصديقه بالإشارة لا تقلق فإنها ستكون قريبة كما أعطاه إشارة بأن يبقي الضوء مسلطاً إلى قعر البحر، في الوقت الذي أخذ فيه «س» يجول حول الصخرة، حيث عاد ليخبر صديقه بأنه وجد كيساً ثم أمسك بطرف الحبل الذي كان معه وربطه في اسطوانة الأوكسجين التي كانت على ظهر صديقه طالباً منه عندما يرى الكيس أن يأخذه إلى أعلى الصخرة.

بعد أن ربط «س» طرف الحبل في اسطوانة الأوكسجين التي على ظهر صديقه استدار إلى الخلف ليسحب الكيس من الماء ثم غافل صديقه وقام بضربه بقضيب حديد على رأسه ثم أمسك سكيناً وفتح ثقباً في الخرطوم الذي يوصل الأوكسجين إلى صديقه حيث بدأ الأكسجين يتسرب من الاسطوانة ويدخل الماء إلى داخل أنف وفم صديقه.

كانت الضربة قوية على رأس الصديق لدرجة أنها أفقدته وعيه فسقط مصباح الضوء من يده كما سقط هو الآخر إلى قعر البحر. كان «س» حريصاً أن لا تطفو جثة صديقه لذا شد الحبل جيداً إلى الصخرة بعد أن تأكد أن الجثة استقرت في القاع على رمال البحر.

أسرع «س» بالخروج من البحر ولم ينس أن يأخذ أداتي الجريمة معه «السكين وقضيب الحديد» حتى لا تكون هناك بصمات في حالة أن الشرطة عثرت على الجثة، ولكي تكون الأمور كلها مدروسة ذهب في صباح اليوم التالي إلى صاحب المحل الذي استأجر منه أدوات الغوص وقال له بأن الأدوات التي أخذها منه أدوات ممتازة، لذا أريد أن أحتفظ بها لنفسي. وقام بإعطاء صاحب المحل ثمنها فضمن بذلك أن صاحب المحل لن يذهب إلى الشرطة كي يبلغ أن أحداً أخذ منه أدوات غوص ولم يعدها إليه.

البحث عن الصديق

بعد ثلاثة أيام جاء «س» إلى بيت صديقه يسأل عنه فأخبرته والدة صديقه أن صديقه ذهب إلى الجامعة وهو متعود أن ينام هناك في بيت الطلبة ولا يأتي إلا نهاية الأسبوع، ثم سألته لماذا لم تذهب إلى الجامعة معه، فالامتحانات أصبحت على الأبواب، وعليك أنت وهو ألا تضيعا ساعة واحدة في اللهو وأن تتنبها جيداً إلى مستقبلكما.

شكر «س» والدة صديقه على هذه النصائح وانصرف إلى الجامعة حيث يدرس هو وصديقه في ذات الكلية وكلاهما في السنة الجامعية الثالثة. عندما وصل «س» إلى الجامعة بدأ يسأل عن صديقه، لكن أحداً لم يجبه عن ذلك، فلا أحد يعرف أين هو، كما أن الكل كان مشغولاً بالامتحانات التي لم يبق عليها سوى ثلاثة أسابيع.

حاولت الأم أن تتصل بابنها على هاتفه النقال، لكن الهاتف كان مغلقاً، فقالت لعله مشغول في التحضير للامتحانات. وانتظرت عودته كما هي العادة في نهاية الأسبوع، إلا أنه لم يعد هنا. أحست الأم بأن شيئاً قد وقع لابنها، حيث أخبرت زوجها عن مخاوفها، لكنه طمأنها قائلاً إن لم يأت في الغد فسأقوم بتبليغ الشرطة.

أثناء ذلك اتصلت الأم بكل أقاربها وبكل أصدقائه الذين تعرفهم، لكن أحداً لم يسمع أو ير أين هو. زادت مخاوف الأم، لذا قامت بالاتصال بالمستشفيات، لكنهم أخبروها بأن اسم ابنها ليس لديهم، فاتصلت بالمطارات لعله يكون سافر مع بعض الأصدقاء إلى الخارج، كما هي عادته، لكن المطارات أخبرتها بأن هذا الاسم غير مسجل في الرحلات المغادرة.

في الصباح الباكر ذهبت الأم إلى الشرطة لتبلغ عن اختفاء ابنها، وعندما سألها الضابط هناك إن كانت تتهم أحداً، ردت بأنها لا تتهم أحداً لأن ابنها ليس له أعداء، فهو طالب جامعي وكل أصدقائه يحبونه، وكذلك جميع الأقارب والمعارف، فليس له أعداء أبداً.

أخذ الضابط يتحرى عن أصدقائه فأخبرته بأسمائهم، وعندما تم استدعاؤهم من قبل الضابط، قالوا إنهم لا يعرفون عنه شيئاً. لم يتم توجيه الاتهام لأي أحد، وعند البحث عن هاتفه النقال لم يتم التوصل إليه، لكن الشرطة تمكنت من خلال المقاسم الهاتفية معرفة آخر اتصالاته، حيث كانت آخر تلك الاتصالات مع زملائه في الجامعة الذين تم التحقيق معهم. مرت الأيام والأسابيع والأشهر ولم تظهر أي آمال للعثور على الصديق وكأنه ذهب إلى عالم مجهول، فقد اختفت كل آثاره.

فاكس من «الانتربول»

في أحد الأيام تلقت الدوائر الأمنية فاكساً من «الانتربول» مفاده أن شحنة من المخدرات والأسلحة في طريقها إلى (......) وأن هذه الشحنة ستمر في المياه الإقليمية، حيث ستقوم شاحنات صغيرة وأفراد بنقل تلك الشحنة إلى الجهة المرسلة إليها عبر الجبال.

وأضافت المعلومات التي في الفاكس أنه تم تسجيل جميع المكالمات الهاتفية الخاصة بالمجموعة، وأن هناك شخصاً قد يكون هو رئيس العصابة الذي سيتسلم الشحنة ويقوم بإعادة شحنها إلى الجهة المرسلة إليها. كانت جميع الجهات المعنية تتابع الشحنة حتى وصلت درجة الاستعداد إلى اللون الأحمر.

عندما انتقلت درجة الاستعداد من اللون البرتغالي إلى الأحمر، فهذا يعني أن الشحنة اقتربت من الشاطئ، لذا تم إرسال أكثر من 80 عنصراً من الضفادع البشرية ونشرهم تحت الماء وهم مجهزون بالأسلحة التي تعمل تحت الماء لاصطياد أي واحد من العصابة يحاول الهرب.

في أثناء ذلك، شاهد أحد أفراد الضفادع البشرية هيكلاً عظمياً مربوطاً بحبل إلى الصخرة التي كان بجانبها، حيث أبلغ القيادة التي أرسلت بدورها فريقاً من الغواصين لانتشال الهيكل.

تم نقل الهيكل إلى المختبر الجنائي، حيث حدد الفريق الطبي سبب الوفاة بأنها تعود إلى ضربة حادة على الرأس أحدثت ثقباً في الجمجمة، إضافة إلى الاختناق بسبب نقص الأوكسجين، كما تم تحديد النوع والعمر والمدة التي حدثت فيها الوفاة، إضافة إلى الحامض النووي (DNA).

كان من الصعب التعرف على الشخص من ملامحه، فقد أكلت الأسماك والحيوانات البحرية جزءاً كبيراً من جسمه، كما أن وجوده في الماء لفترة طويلة أدى إلى تحلله. تم الاتصال بأهل الشاب المفقود، حيث تم أخذ عينة من شعر الأب، ومع مقارنتها مع ال(خء) الخاصة بالهيكل العظمي وجدت متطابقة، كما أن تحديد العمر وزمان الوفاة كلها أكدت أن الشاب هو الذي تبحث عنه أسرته.

بدأت الخيوط غير واضحة أمام ضابط التحقيق، فالمدة التي وقعت فيها الجريمة مضى عليها أشهر، لكنه من الواضح أن الأمر فيه جريمة بدليل الثقب الموجود في الجمجمة. أمر الضابط بإحضار جميع الأجزاء الخاصة بأدوات الغوص التي وجدت في المكان، حيث كانت كلها لاتزال على حالها، وبعد فحصها من قبل المختبر الجنائي، أفاد أن خرطوم الأوكسجين مثقوب بسكين على شكل منشار، طلب الضابط من عناصره أن يذهبوا إلى المحلات التي تبيع أدوات الغوص، وبالتحري ومراجعة سجلات الكمبيوتر الخاصة بتلك المحلات.

أفاد أحدها بأنه أجّر قبل فترة بعيدة أجهزة غوص إلى شخص يسمى «س» وأنه لم يعد تلك الأجهزة وأبقاها عنده ودفع ثمنها، وهذا رقم هاتفه وصورة بطاقته. طلب الضابط إحضار «س» وبسؤاله عن تلك الأجهزة قال إنه فعلاً استأجر أجهزة غوص وإنها عنده، طلب الضابط من «س» أن يذهب مع أحد أفراد الشرطة ويحضر تلك الأجهزة، هنا بدأ «س» يتلعثم ويقول إن عنده بعضها والبعض الآخر لا يدري أين هو.

فقال له الضابط: الأجزاء التي عندك هي التي تخصك، أما الأجزاء المفقودة فهي التي كان يرتديها صديقك عندما قتلته وضربته بآلة حادة على رأسه ثم قمت وقطعت خرطوم الهواء عنه بسكين على شكل منشار وتركته تحت الماء يموت. كان «س» يستمع إلى ما يقوله الضابط وهو مصاب بذهول، فكيف له أن يعرف كل هذه التفاصيل عن السكين التي هي على شكل منشار عرفها. صرخ الضابط في وجه «س» قائلاً: أخبرني لماذا قتلت صديقك؟..

رد «س» قائلاً إنه لم يقتله ولا يعرف عن الموضوع شيئاً. هنا دخل الضابط غرفة مجاورة كان بها ضابط متخصص بلغة الجسد، حيث قال إنه من خلال قراءته للغة وحركات جسد «س» أثناء التحقيق تبين بأنه يكذب، ثم وضع جهاز «سمٍى-زف؟-دًّمْ ْ؟ ظ7» في فم «س» فتبين أن نسبة الجفاف عالية جداً كما تم قياس الأدرنالين فوجد أنه فوق العادي.. كل هذه المؤشرات دلت على أن «س» يكذب.

أراد الضابط أن يستنفد كل الوسائل العلمية التي لديه حتى لا يظلم «س» فأمر بوضعه على جهاز كشف الكذب ثلاث مرات، وفي كل مرة كان الجهاز يقول بأن الشخص يكذب. هكذا استنفد الضابط كل الأجهزة العلمية وأصبح جاهزاً لتوجيه تهمة القتل إلى «س».

كان الضابط صريحاً مع «س» وقال له إن جميع الأجهزة العلمية أثبتت بأنك تكذب، فإما أن تقول الحقيقة وإلا سأحولك إلى المحكمة بتهمة القتل العمد. كان «س» قد أُنهك تماماً من الخوف والاستجواب والتحقيق، لذا بدأ يتحدث إلى الضابط ويسأله، ماذا ستكون عقوبته إن هو اعترف بالحقيقة.

هي السبب

بدأ «س» حديثه قائلاً: هي طالبة معي في ذات القسم وتجمعني أنا وهي وصديقي بعض الحصص كوننا في كلية واحدة، وكنت أحبها من كل قلبي، فأنا لم أعرف الحب في حياتي، فعندما وجدتها استجابت لي، شعرت بأنني أسعد إنسان في العالم، وذات يوم كنت ذاهباً معها إلى أحد المطاعم.

وكنا ننتظر حافلة الجامعة عندما جاء صديقي بسيارته وأخذنا حيث نريد، ثم تناول الطعام معنا، وأحسست منذ تلك اللحظة أنه بدأ يهتم بها، وصدق حدسي، حيث بدأت تبتعد عني شيئاً فشيئاً، ورأيتها أكثر من مرة تركب معه في سيارته، وعندما كنت أسألها عن ذلك وعن حبي لها، كانت تقول إن ما كان بيننا مجرد صداقة.

وأضاف: لقد بدأ صديقي يغدق عليها بالهدايا التي لا أستطيع أنا شراءها، كما أنه تحول إلى سائق خاص لها، يأخذها بسيارته أينما تريد، وعندا طلبت منه أن يبتعد عنها لأنني أحبها، قال لي: إن كانت تريدك فهي أمامك خذها لكنها لا تريدك. هنا قررت أن أنتقم منه وأن أسرق حياته.

كما سرق سعادتي فاخترعت له قصة الأكياس التي رأيت الزورق يرميها في البحر بالقرب من الصخرة، وذلك كي أتمكن من قتله تحت الماء، وبذلك لا تتوصل الشرطة إلى جثته. وقع «س» على اعترافاته وهو يوجه كلامه للضابط قائلاً: لولا أنه سرق الإنسانة الوحيدة التي أحبها لما فعلت به ذلك.

إعداد ـ أحمد سلطان