تناول المشاركون في الجلسة الصباحية الأولى من جلسات ثاني أيام الملتقى الثقافي العربي الألماني موضوعا مهما تمحور حول مستوى حضور التراث العربي في ألمانيا حيث أكد المشاركون أن التراث الإبداعي لا ينتمي إلى قطر بعينه أو منطقة بذاتها ولكنه يتجاوز ذلك كله إلى الفضائات الإنسانية الأوسع وأن الحضارة العربية والإسلامية تمكنت من تقديم إبداعات كانت مظاهرها حاضرة بوضوح في الغرب خاصة في أوج تألقها في مرحلة الدولتين العباسية والأموية.

وأدارت الجلسة أمل الجابوري رئيسة اتحاد ديوان الشرق الغرب ومقره برلين، وتحدث خلالها كل من البروفسور كلاوس بيتر هازا، أحد كبار الأساتذة المتخصصين في الفنون العربية الإسلامية وهو مرجع عالمي في هذا المجال وأستاذ كرسي العلوم الإسلامية في جامعة كوبنهاغن، والدكتور مصطفى ماهر وهو أستاذ غير متفرع وهو من مؤسسي دراسات فقه اللغة الألمانية وآدابها والترجمة منها وإليها على المستوى الأكاديمي، والدكتور عبده عبود وهو أحد المتخصصين في الأدب المقارن في مجال الأدبين الألماني والعربي وله العديد من المؤلفات في هذا المجال.

وبدأت الجلسة بمشاركة الدكتور مصطفى ماهر الذي لعب دورا كبيرا في تعزيز التواصل العربي الألماني من خلال الترجمات العديدة التي قدمها للمكتبتين العربية والألمانية، حيث أشار في مداخلته إلى تجربته التي قام من خلالها بتأسيس نظرية تقوم على ما وصفه بالمتحف الخيالي الذي يضم تراثا وذخائر إنسانية، وقال إن المبدعين في مختلف أنحاء العالم يؤمنون بأن الإبداع لا يعرف حدودا وأن من يكتب يقدم فكره للإنسانية بشكل عام.

وأشار الدكتور ماهر إلى أن نظريته أيضا توضح أن هناك حركة مستمرة يتحرك فيها الإبداع من المستوى الفردي المحلي إلى الفضاء العالمي الأوسع والأشمل ومن ثم يعود الإبداع مرة أخرى إلى المستوى المحلي الفردي في حراك دائم لا ينقطع، حيث عزا للترجمة الفضل الأكبر في تعزيز هذا الحراك.

وأكد المتحدث أن إسهام الثقافة العربية تميز بقدرته على هضم الثقافات الأخرى وقال إنها ساهمت في تعزيز الثقافة الغربية الأمر الذي يعد مصدر فخر للعرب حيث ان الحضارة العربية والإسلامية تمكنت من هضم الثقافة الإغريقية في الوقت التي نبذتها فيها أوروبا مع اعتناق الدولة البيزنطية للمسيحية ونظرتها للمكنون الثقافي للحضارة الإغريقية في ذلك الوقت على إنها كفر وإلحاد، ومن ثم قامت بإعادة تقديمها إلى أوروبا.

وقال إن حاملي الثقافة العربية والإسلامية قاموا بدور كبير لم يقتصر على المنطقة التي عاشوا فيها، منوها بالرأي الذي يعتقد بأن الثقافة العربية مع انتقالها إلى غرب أوروبا وترجمتها إلى اللاتينية كانت سببا رئيسا في إيجاد الخط الفاصل بين الهويتين الأوروبية الغربية والأوروبية الشرقية.

وأشار الدكتور مصطفى ماهر إلى أنه في الوقت الذي كان يكيل فيه مارتن لوثر الإهانات للإسلام في العصر الذي كانت فيه أوروبا كارهة للمسلمين، نجد أن المثقفين الأوروبيين كانوا مغرمين بالفكر الصوفي وترجموا عنه العديد من المؤلفات المهمة، منوهاً بالدور الذي لعبه المفكر الألماني الكبير غوته في حسن استقبال الثقافة العربية والإسلامية وصياغتها صياغة نموذجية ساهمت في إحداث حالة من التقارب بين الثقافة العربية والثقافة الألمانية الأوروبية.

وشدد الدكتور ماهر على أهمية أن يقرأ الألمان للعرب وأن يقرأ العرب للألمان، منوها بظهور مجموعة من المثقفين من الجانبين الذين يتقنون اللغتين نثرا وشعرا، مشيرا إلى تجربته الذاتية في هذا الخصوص حيث ترجم أكثر من 40 قصة قصيرة عربية إلى الألمانية من بينها قصة للكاتب الكبير الحائز على جائزة نوبل للأدب الأستاذ نجيب محفوظ إضافة إلى ترجمته لأجزاء من كتاب (الأيام) للمفكر والأديب الكبير طه حسين، معربا عن أمله في أن يزداد عدد المترجمين بين اللغتين.

من ناحيته، أشاد البروفسور كلاوس بيتر هازا بالإسهام العربي في الحضارة الإنسانية وقال إن الأعمال الفنية التي تضمنتها واجهات القصور العربية القديمة تضمنت فنا عكس مزيجا تم استقاؤه من الحضارات المختلفة في دليل دامغ على عالمية الإبداع وقدرة الثقافة العربية على استيعاب وهضم الثقافات المختلفة، واستشهد في ذلك بجزء من واجهة قصر عربي أردني قديم أهدي إلى القيصر فيلهيلم والذي يحمل مزيجا من النقوش النباتية الإسلامية والمنحوتات ذات الطابع الإغريقي.

وأشار البروفسور هازا إلى أن آثار الحضارة الإسلامية والعربية ملموسة في مختلف أنحاء منطقة بحر المتوسط، منوها بأن الإبداع الفني دائما ما يواجه فترات ازدهار وتراجع في مراحله الزمنية المختلفة، وقال إن العصر الأموي مثل واحدة من أهم المحطات للإنتاج الإبداعي في الحضارة العربية.

من ناحيته، استعرض الدكتور عبده عبود مجموعة من المبادرات العربية والألمانية المختلفة التي سعى أصحابها وبجهود فردية إلى تعزيز التواصل العربي الألماني وتضمنت تلك المبادرات مجموعة من المطبوعات والنشرات الدورية الصادرة باللغتين العربية والألمانية، كما نوه بإسهامات بعض المفكرين الألمان الذين حرصوا على تعزيز التواصل الثقافي بين الجانبين.

الغيطاني: جهود ـ ترجمة الأعمال الفكرية

في مداخلة مهمة للكاتب المصري جمال الغيطاني، أعرب عن قناعته بأن الثقافة العربية لا تزال معزولة في ألمانيا، والجهود التي تتم لتعزيز التواصل الثقافي العربي الألماني لا تزال محصورة في جهود فردية، منوها بدور ألمانيا الديمقراطية في التعريف بالثقافة العربية.

حيث بدأت هناك ترجمات الأعمال الفكرية والأدبية العربية، كما نوه بمشروع النشرات الإسلامية في ألمانيا والذي تمكن من تحقيق مكتبة عربية مهمة ضمت العديد من نفائس المؤلفات وأمهات الكتب العربية، إلا أنه للأسف تعثر في المرحلة الأخيرة بعد أن قدم للمكتبة الألمانية مجموعة محققة بالغة الأهمية من المؤلفات العربية التراثية.

دبي ـ «البيان»