لكل عصر من العصور تجلياته الاجتماعية والاقتصادية والحياتية واختلافها عن عصور سبقت كان لها مظاهر مغايرة، وبرزت حينها اجتهادات علمية وأدبية وثقافية واجتهادات دينية عبرت عنها مؤسسات ورجالات من العلماء، نجدها في المراجع والكتب التي خلفوها.
وفي عصرنا الحاضر اختلفت كثير من مظاهر الحياة وبرزت تعاملات اقتصادية وعلاقات اجتماعية وإنسانية ودولية جديدة، تحتاج إلى اجتهادات تقرأ الواقع وتعرفه حق المعرفة من أجل أن تخرج هذه الاجتهادات متوافقة مع الشرع أولا ومع هذا الواقع ثانيا، فلا يصاب المسلم بالحيرة من بعض الفتاوى والاجتهادات التي لا تعبر عن واقعه وحياته وتجعله يعيش في واقع والحياة في واقع آخر.
وعن فقه الواقع تحدث الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر الأسبق ورئيس اللجنة الدينية بمجلس الشعب المصري في جريدة «عقيدتي» فقال: إن فقه الواقع يتجلى واضحاً في قصة معاذ بن جبل عندما أرسله النبي عليه الصلاة والسلام قاضياً إلى اليمن، فقد سأله كيف تقتضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: بكتاب الله قال فإن لم تجد؟ قال فبسنة رسول الله، قال فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو أي لا أقصر فأثنى الرسول على معاذ ويروى أنه قال: الحمد لله الذي وفق رسول الله إلى ما يرضي الله ورسوله.
ويرى الدكتور أحمد عمر هاشم أن النصوص التي يرجع إليها الفقهاء محدودة، ولكن واقع الحياة ومستجدات كل عصر لا تنتهي، ومن أجل ذلك فإن إنزال النصوص إلى وقائع الحياة يتطلب عقلاً راجحاً وأفقاً واسعاً وفقهاً واعياً حتى لا تؤدي فتوى غير منضبطة إلى تعرض الإسلام والمسلمين للسخرية.
ويوضح د. عمر هاشم أن آراء الفقهاء السابقين كانت وستظل مجرد اجتهادات تخطئ وتصيب ولم يدع مؤسسو المذاهب الفقهية أبداً أن ما يقولونه هو الحق المطلق، فقد قيل للإمام أبي حنيفة: ان هذا الذي تفتي به هو الحق الذي لا مراء فيه فرد قائلاً: لا أدري لعله الباطل الذي لا مراء فيه، ومن المأثور أيضاً عن الإمام الشافعي قوله: رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب.
ويشير الدكتور عبد المعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية إلى أن من شرط الاجتهاد هو أن تتفق المناسبة التي نزل فيها النص مع المناسبة التي يراد التطبيق عليها، ففقه الواقع يعني إدراك المناسبة الواقعية الجديدة التي يراد تطبيق الحكم عليها لعلة مشتركة بينهما وأهم الضوابط فيما يتعلق بفقه الواقع هو الالتزام بالنصوص وبالأحكام القطعية لأن الإسلام له جوانب تكمل بعضها بعضاً من نصوص قطعية الثبوت وهذا الاجتهاد فيه مثل الأحكام الواردة في العبادات وهذا لا اجتهاد فيه ولا تجديد والقسم الآخر أحكام متغيرة بتغير الأزمان وهذه تتغير فيها الفتوى.
السيد الطنطاوي