ينتظر المسلمون الحج بشوق ولهفة، فهو يوقظ نفوسهم من غفلتها، وحاديهم في ذلك حديث المصطفى: «مَن حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». نعم إن قلوبهم لتخفق لربها بالحب وتلهج ألسنتهم له بالشكر، وتفيض عيونهم بالدمع، لمَ لا يسعدون وقد ضمن لهم ربهم غفران الذنوب؟ ولمَ لا ينعمون وقد وُعِدوا بالجنان إن هم عملوا بالإحسان وتابوا إلى الديان؟

يقبل هذا الموسم الإيماني العظيم ليغسل العاصي من أدران الذنوب بماء التوبة الطاهر، يقبل ليُضعف الخطرات والشهوات الشيطانية، فلا يفكر المسلم إلا في الحج ومناسكه، ينسى دياره وينسى أولاده وأمواله الذين هم زينة الحياة الدنيا.

أية نسمات هذه التي تهبُّ في هذه الأيام،.. حقاً ما تحركت أفواج الحجيج رجالاً وعلى كل ضامر جاؤوا من كل فج عميق، تستفزهم آمالٌ وتجذبهم تطلعات وأمنيات- إلا اضطرب القلب المدنف اضطراب الخائف القلق محلّقاً في جو السماء وثارت لواعج نفسٍ طالما أقامت على ترقب ذلك اليوم الأثير.

لكِ الله أيتها النفس المشوقة، ما فاتها قطّ رفقة الركبان وصحبة هاتيك القوافل البيض المترعة بالحنين، وهي تقطع المهامه والقِفار تصعدُ شرفاً وتهبط وادياً، ميممة شطر مهبط الوحي ومنبع النور، إلا شقّ أنين اللوعة والشوق.. حجب النفس، وحطّم حواجز الكتمان، فإذا بالأنات العذبة ممزوجةً بالدموع الحرّى تبوح بالسر، وتكشف المخبوء، وتُهدي القلب ألحانَ حب وأنغام سكينة، تَطامَنُ لها نيران اللوعة إلى أمد وحين.

سبحان من أودع في كل قلب ما أشغله، ولك الحمد يا ربنا أن وجهتَ قلوبنا إليك وإلى محبة بيتك الحرام وشعائرك المهيبة الحسان حتى علق القلب بها فلا يريد أن يبرحها ولا يطيق عنها بُعداً أو فكاكاً.

دعوة الخليل

وكيف لا يكون الأمر هكذا وقد توجّه قديماً أبو الأنبياء على نبينا وعليه الصلاة والسلام بدعوةٍ شقّت عنان السماء فأصابت سويداء القلوب المؤمنة وحلّت منها محلَّ الرغبة والرضا، ألم يقل ربُّنا تباركت أسماؤه يحكي هذه الدعوة الصادقة الممتدة عبر القرون (فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) وهل يردُّ الله سبحانه دعوةَ خليله في توجيهه القلوب وهويّها إلى بيته الحرام؟

إنه من أجل هذه الدعوة المنطلقة من قلب الخليل والتي تفتحت لها مصاريع السماء، وأبواب القلوب الحيّة، وغدت قرآناً يُتلى إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها، من أجل هذه الدعوة لا تزال القلوب اليقظى منجذبة إلى تلك البقاع، إنها دعوة لا تنمحي بل لا تخمد .

ولا تبرد مهما تطاول الزمان وأوغل في المستقبل الآتي، ولا يزال نور هذه الدعوة يقوى ويسطع يوماً بعد يوم متجلياً بتلك الملايين المشدودة إلى أرض الحجاز المتلهفة لرؤية البيت العتيق، والوصول إلى ذلك الوادي غير ذي الزرع إلا أنه طافح بالمشاهد والآثار والنور والضياء.

نعم يا سيدي يا أبا الأنبياء: إن القلوب تهوي إلى بؤرة النور كما دعوتَ وأردت كأنما يربطها بهذا البيت صلة نسب أو وشيجة رحم، فتراها في كنفه مستظلة بظله متفيئة أفياءه، وقد تضلعت من سُقيا الطمأنينة القراح، وأنست لشآبيب الرحمة تنهمر انهماراً وتنصبّ انصباباً، وإذا بهذه القلوب الخاشعة المنيبة تموج في بحار الرحمة الطامية حول البيت متسربلة أجسادها التي خَفَتَ صوتها، وضعُفت حقيقتها أمام سطوة الأرواح المنطلقة المحلقة عالياً وراء هذه العوالم الكثيفة.

ما أجمل الإنسان عندما يتخفف من أثقاله ويحطّم قيود الكثافة والحس، وتنعتق روحه من أسرها فيحلّق بعيداً بعيداً إلى عوالم لا تراها عيون الأجساد لكن للأرواح اللطيفة فيها ميدان رحب فسيح، وجولات بديعة رفيعة..

وما أقسى القلوب التي لا تحن ولا تطمح إلى غذائها المصفى، وعالمها الآسر وأي جفاءٍ وغفلة تغلّفان قلباً تظلّه هذه الأيام ثم لا يكون له في ميدان النور مسرح ومطرح ولا من لواعج الشوق نصيب وشأن. سبحان الله ما أحلى بطاح مكة والمدينة، وما هذا الجمال الذي تبديه والجلال الذي توحيه فلا يبصره إلا من كان له قلب حي بصير.

أليس على هذه الأرض المباركة وُلد الحبيب عليه وآله الصلاة والسلام؟ ثم ألم يشرق نور الوحي ليبدد ظلام الدنيا من غار حراء في جنبات مكة، من ذلك الغار الساكن الوديع المطل على البيت الذي رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ليكون ذلك الوحيُ أثمن هدية إلى البشرية، وليصبح سيدنا محمد عليه وعلى آله الصلاة والسلام خاتم المرسلين وصاحب أعظم رسالة وأخلدها.

وهنا طاف وسعى وهنا دعا ربه وناجاه، وهنا مشى وخطب ووعظ. وهنا جاهد وحضّ على الجهاد.. هنا جلس في ظل نخلة أو ظل جدار، وهنا سارت الناقة وههنا وقفت وبركت، وههنا جلس مع الصحب الكرام أو عمل معهم. ولئن أعاق الأشباح عن الوصول إلى أرض الحبيب عوائق وسدود فإن الأرواح تحطم السدود وتجتاز العوائق إنها هناك لا يقدر على منعها مخلوق، تهيم مع الهائمين، وتقبل الركن والباب والحصى والتراب.

ان حياة الذاكرين ليست الحياة المحسوسة التي يشترك فيها الإنسان مع باقي الكائنات الحية؛ وإنما هي حياة الروح وروح الحياة، حياة القلب وقلب الحياة، نقصد الحياة التي عبر عنها الله تعالى بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إذا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ) الأنفال 24.

ومن ذلك النداء القرآني:)وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق(الحج 27 فإذا نوى الحجيج قصد بيت الله الحرام منفعلين بهذا النداء يصبح شعارهم الدائم، وكلمتهم الصاعدة هذا النشيد الإلهي الذي يعبِّرون به عن فقرهم أمام الله وشعورهم بعظمته ونعمته وملكه وسلطانه:

«لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك».

يصحب هذا الشعار الحاج في جميع مراحله، والتلبية في حقيقتها هي النزوع بالنفس من عالم الظلم والطغيان إلى عالم العدل والإحسان، يسجل بها المؤمن على نفسه في جميع أوقاته معاني الخضوع والاستجابة لنداء مولاه، والاعتراف بوحدانيته... وأحديته في الملك والسلطان... والفضل والإنعام... والتدبير والتصرف، ويقر أنه الواقف ببابه... الملبي لأوامره... المسارع لإجابته... المقسم على عهده..(قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) الأنعام162

وبهذا يرجع من شذَّ عن غفلة إلى دين الله... لا يعبد سواه، ولا يلبي غيره... تنطلق بها الحناجر وأصوات الملايين المؤمنة، فتصل ما بينهم وبين السماء، وهذه التلبية «شعار الإيمان» جعلت عنواناً خاصاً بالحج لتفرده بمزايا لا توجد في غيره. والحج... محاولة فك أغلال غليظة.. قيَّدت الروح والجسد وحرمتهما من الانطلاق.

احمد حلمي سيف النصر