لليوم الثاني على التوالي، واصل في دبي يوم أمس أكثر من 200 مفكر وأديب عربي وألماني نقاشاتهم في إطار ملتقى الحوار العربي الألماني الذي نظمته مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم على مدار يومي 26 و27 نوفمبر الجاري والأمل يحذو المشاركين في الملتقى عموما والقيمين على المؤسسة الإماراتية خصوصا في مد جسور التفاهم والمحبة بين ثقافة الضاد وثقافة لغة غوتة وهيغل.
أعمال اليوم الثاني من الملتقى تضمنت ثلاث جلسات نقاشية، بالإضافة إلى جلسة ختامية رابعة تضمنت حصيلة موجزة للمحاور التي تم النقاش أثناء جلسات الصباح، حيث ناقش المتحدثون تحت عنوان «دور المثقف في عالمنا اليوم» إمكانية استخلاص مفهوم محدد لمصطلح المثقف وتحديد طبيعة دوره في المجتمع بمختلف مكوناته وأيديولوجياته وواقعه ومستويات تطبيق الحرية والديمقراطية فيه.
الكاتب والمفكر الإسلامي فهمي هويدي دعا خلال الجلسة، التي ترأسها الدكتور سعيد حارب أستاذ العلاقات الدولية الإسلامية في جامعة الإمارات، إلى تحديد من هو المثقف وما هو المجتمع الذي يخاطبه في ظل ظاهرة تزوير المثقفين خاصة مع ثورة الاتصالات الحالية حيث يظهر أنصاف الموهوبين والمثقفين المزيفين عبر الفضائيات ليعبروا عن الرأي العام، معتبراً أن المثقف الذي يقصده هو الذي يعبر عن ضمير المجتمع بالدرجة الأولى ويكون له موقف فاعل من قضاياه.
وقال هويدي إن المثقف في المجتمع الديمقراطي يختلف عنه في المجتمعات غير الديمقراطية، فالأول حسب تعبيره هو شريك في التنمية والتغيير أما الثاني فهو مُبّلغ أو ناقل بالدرجة الأولى وليس مغيراً، معرباً عن دهشته حيال أكثرية المثقفين الغربيين والناشطين دفاعاً عن حقوق مختلفة، منها حقوق الإنسان وحقوق الجنوب وقضايا أخرى، وهم أنفسهم الذين تلوذ أغلبيتهم بالسكون والصمت أمام التحديات الخارجية التي تواجه الأمة العربية.
وأضاف هويدي إن دور المثقف في المجتمعات العربية غير الديمقراطية محدود وينحصر في التبليغ فقط وينشط في حدود متواضعة جدا، بالرغم من أن الإنسان في المنظومة الإسلامية مسؤول عن التغيير ولم يخلق عبثاً فهو مكلف وله دور في التشجيع على الخير ومحاربة الشر، موضحاً أن المثقف هو طليعة التغيير ولديه فرصة متاحة للتغيير في المجتمعات الغربية بينما تظل فرصته محدودة في المجتمعات غير الديمقراطية.
من جانبه قال الدكتور محمد عبد الجابري أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي السابق بجامعة محمد الخامس في الرباط، إن العالم العربي مصاب بعدة أدواء، فهو في حالة حرب أهلية معلنة في بعض أقطاره وغير معلنة في أقطار أخرى، مشيراً إلى أن هذه الحرب الأهلية لا تتجلى في الانفجارات والمشاحنات المسلحة فحسب، ولكنها حرب أهلية بواسطة الكلام والفكر والقلم أيضا، موضحاً أن هذه الحرب منغمسة أو محنطة في أكوام من الجهل.
وأضاف أن علاقة العالم العربي بالعالم الخارجي علاقة صراع بحيث لم يعد العربي صانعاً للتاريخ لا الخاص ولا العام، ولم يعد وراء العرب إلا الشكوى وغالباً ما تكون شكواهم بكلام غير دقيق لا يترك تأثيراً في الشخص الذي يشكون إليه أو يشتكون منه، معرباً عن اعتقاده بأن المثقف ليس عالماً أو فقيهاً أو سياسياً أو قائداً أو مجتهداً، كما أنه ليس لمصطلح المثقف أساس في اللغة العربية، فأصل الكلمة فرنسي، مفضلاً استخدام كلمة المفكرون لتعريف المثقفون.
وأكد الجابري أنه لكي يتم إيجاد جيل من المثقفين في العالم العربي فلابد أن تحتوي المناهج الدراسية منذ المرحلة الثانوية على مواد فلسفية، مشدداً أنه لا يمكن أن يخرج مثقفون في مجتمع منغلق على نفسه، أما المقلدون فكل ما يفعلوه أنهم ينتحرون بدون أن يعرفوا ذلك.
البروفسور أدولف موشج، الأستاذ والرئيس السابق لأكاديمية الفنون الألمانية قال إن هناك اختلاف بين دور المثقف ودور المتعلم بالرغم من وجود تداخل بينهما، موضحاً أن الشيء الحاسم في حياة المثقف هو موقفه من السلطة بغض النظر عن توجهه إذا كان يميني أو يساري، فلا يكفي أن يكون المثقف متعلماً إنما ما موقفه من السلطة هو الأمر الحاسم بما في ذلك السلطة المشروعة ديمقراطياً بحيث يكون موقفه انتقادياً لهذه السلطة.
واعتبر موشج أن الثقافة هي العنصر الثوري بين العناصر الثلاثة في كل مجتمع، حيث أن العنصرين الآخرين وهما الدين والدولة يميلان إلى الاستقرار والمحافظة، مؤكداً أن دور المثقف هو الانتماء ومساءلة النفس والتي هي مصدر المعرفة، مشيراً أن المثقف البارع هو الذي يتقن اللعب بين المستويات المختلفة.
وأوضح أن دور المثقف كناقض للسلطة لا ينبغي أن يكون دوراً حصرياً كدور الممثل على المسرح الذي يلعب دوراً محدداً مقابل أجر من المال، ولكن يجب على المثقف أن يعرب دوافع وبواعث الدور الذي يلعبه.
كما استعرض د.سليمان الهتلان ملخص ما جاء في الجلسة الثانية التي حملت عنوان «حرب اللغات: محنة اللغة الأم في عالم تسيطر عليه الانجليزية» وشارك فيها كل من د. عبد الله الغدامي ود. حسام الدين الخطيب وميخائيل كروغر ود. إيلما راكوزا.
ووصف الهتلان هذه الجلسة بالصعبة والملغمة وسط حرب اللغات، وقال إن النقاش انطلق في البداية من سؤال افتراضي يتعلق بالصين ويفيد بأنه إذا افترضنا أن الصين حققت تطورا اقتصاديا هائلا، هل ستشكل اللغة الصينية بديلا عن الانجليزية؟
وتحدث د. حسام الدين الخطيب عن كتاب ألماني يحمل عنوان «تاريخ اللغة: وقال إنه يتجاهل قضايا اللغة العربية في حين يعالج لغات أخرى أقل انتشارا ويتحدث عن لغات مسكينة. وتساءل الخطيب: هل يتعين علينا دمج لغات العالم أم الحفاظ على كل لغة على حدا، مؤكدا أنه ثمة انتحار جماعي للغات.
وقال الخطيب أن اللافت للانتباه هو أن الكاتب الأماني الذي وضع هذا الكتاب كان يعيش في المغرب عندما ألفه. كما أشار الأكاديمي الفلسطيني إلى أن أهمية اللغة العربية تأتي من تأثيرها على اللغات الأخرى التي يعتنق متكلموها الإسلام. وتوقع أن اللغة الانجليزية سوف تتشعب على غرار اللغة اللاتينية، مؤكدا على الجانب السياسي للتعلم اللغات، إذا جزء من اهتمام الأمان في تعلم اللغة العربية يعود إلى ضرورات تتعلق بالجاسوسية، لأنهم اكتشفوا بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 أن المترجمين العرب كانوا يخدعونهم.
ميخائيل كروغر أكد أن كل شخص ينظر إلى اللغة من منظور مختلف، ورفض التحدث عن التنبؤات المتعلقة بمستقبل اللغة الصينية وقال إن هناك لغات تعود إليها الحياة بعد أن تكون قد خبت مثل اللغة الكرواتية، واعتبر الألمانية لغة أقلية حيث يتراوح متعلموها خارج البلاد من 6إلى 7 ملايين شخص.
لكنه قال إن أهمية هذه اللغة تأتي من ضرورات تعلم الفلسفة مضيفا أن الألمانية في الولايات المتحدة لم تعد محط اهتمام كما كانت في ثلاثينيات القرن الماضي عندما كانت تلقى اهتماما من قبل المهاجرين. كما أعرب عن استيائه من سيطرة اللغة الانجليزية في بلاده.
لكنه تنبأ بان اللغة الانجليزية ستضعف خلال السنوات الثلاثين المقبلة، وأعرب عن أسفه حيال انقراض عدد كبير من اللغات، منوها إلى أن الألمانية لا تعرف تجليات اللغة العربية ووصف الاهتمام الغربي باللغة العربية لأسباب تتعلق بما يسمى بالحرب على الإرهاب بالمهزلة.
الجلسة الثالثة أدارتها د. أمل جبوري، حيث استهلت الجلسة بتسجيل لمقدمة مؤلف هونكا «شمس العرب تسطع على الغرب» الصادر عن المجمع الثقافي في أبوظبي والذي يكرس زعامة الثقافة العربية، بعد كان التراث العربي قد تحول إلى تراث إنساني عالمي بمعارفه في شتى ميادين العلوم والثقافة.
د. مصطفى ماهر تحدث عن أهمية الترجمة في ميدان التواصل الحضاري وقال إن العرب وضعوا الثقافة الألمانية في مكانة رفيعة من خلال الترجمات، لكن الثقافة الألمانية لم تتعامل بالمثل، منوها إلى رحلة نيبور إلى العالم العربي مصفى ماهر.
كادر
أكد د. سعيد حارب أن هذا أول لقاء يحصل بين المثقفين العرب والأمان على أرض دبي، وجاء بمبادرة كريمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، ولقد جمعت نخبة من المثقفين من الطرفين العربي والأماني.
وقال حارب إنه هناك علاقات وثيقة تجمعنا بالعالم وتتركز على الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وعلى الرغم من أن ألمانيا ليست عالما مجهولا بالنسبة لنا، إلا أننا لم نكتشفه كما يجب بعد، وهنا تكمن مساهمة هذا الملتقى الذي يعرف الأمان بالثقافة العربية ويعرف العرب بالثقافة الألمانية.
كما أكد على عدم وجود مقياس معين يمكن من خلاله معرفة مدى نجاح هذا الملتقى، فالهدف منه هو ان يلتقي الجميع ويتحاورون فيما بينهم تحقيقا للهدف السامي لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم والرغبة التي أعرب عنها نائب رئيس الدولة عندما زار ألمانيا ودعا إلى حوار عربي متكافئ وما أكده عندما زار هذا الملتقى أمس الأول وتحدث إلى المثقفين الأمان والعرب.
دبي ـ باسل أبو حمدة
