كانت المرأة الواقفة غير بعيد عن باب المصعد تراقب الطفلة الصغيرة المتلفعة بحجاب أبيض وملابس فضفاضة حاملة حقيبة ينوء بها جسدها الصغير، وكم رغبت لو أنزلت عن ظهرها هذا الحمل المدرسي الثقيل، لكن الطفلة وقفت ملتصقة بباب المصعد بانتظار وصوله وكأنها لم تتصور أن يكون بداخله أحد، وما أن وصل المصعد وانفتح بابه حتى دلفت بين الخارجين إلى داخله وهي تتعثر بهم وبحقيبتها المدرسية ولم تلتفت لمن سيكون معها رفيقا في تلك الغرفة الصغيرة المغلقة..
ما أن فرغ المصعد من الناس ولم يبق سوى الصغيرة بداخله حتى دخل رجل ضخم مسرعا ومحاولا أن يغلق الباب فهو لم ينتبه لوجود أحد بانتظار الدخول، لذا أسرعت المرأة بالدخول متحملة ضربة الباب العنيفة في كتفها، فدخلت معتذرة عن تأخير الرجل لكن الرجل أشاح بنظره عنها والانزعاج باد على وجهه بينما رمق الصغيرة بنظرة جانبية جعلت الظنون تنهش رأس المرأة التي شعرت بالطمأنينة كونها ستحمي الصغيرة الموجودة في المصعد.
ضغطت المرأة على الرقم ثلاثة، ووقفت الصغيرة على أطراف رجليها لتصل إلى أعلى رقم في المصعد فبالكاد وصلت إلى الثلاث والعشرين، وبقي الرجل وقافا ينظر إلى الطفلة متجاهلا وجود تلك المرأة ولم يختر شيئا من أرقام المصعد، الأمر الذي زاد شك المرأة فهي لا تعرف هذا الرجل ولا تعتقد أنه يسكن معها في الطابق نفسه ولا يمكن أن تستسلم لفكرة أنه يسكن في الطابق الثالث والعشرين فربما كان يود أن تنزل المرأة مبكرا ويختلي بالطفلة ليؤذيها.
راقبت الصغيرة وحركاتها وقد كانت تنعم ببراءة عذبة وتلعب بساعة ملونة كانت تضعها في يدها ويعلو وجهها الصغير شعور بالرضا تمنت لو أنها تستطيع الحصول على شيء منه، وكانت بينها وبين نفسها تلوم أمها التي تتركها تخرج وحيدة بينما لا تعرف ما قد يواجهها في المصاعد المخيفة، بينما حرصت على أن تجعلها ترتدي الحجاب وهي في هذا السن.
وصل المصعد إلى الطابق الثالث وانفتح بابه فلم يتحرك الرجل، لذا قررت المرأة البقاء بصحبة الصغيرة متذكرة حديثا سريا جرى بينها وبين إحدى طالباتها الجامعيات جعلها تقع فريسة للأرق والخوف، حين جاءت الفتاة الجامعية إلى غرفتها لتتحدث عن درجاتها بينما كانت تحاول نصحها بتغيير مظهرها قليلا فهو لا يتناسب مع فتاة شابة لطيفة، فأجابت الفتاة بلهجة ثائرة «ولماذا أكون لطيفة، من أجل المجتمع الذي لم يحمني، أم من أجل الرجال الذين اكرههم من كل قلبي؟».
كانت الإجابة تعبر عن تجربة قاسية حاولت المرأة أن تعرفها، فقالت الفتاة بصوت يشي بالفجيعة: أنا لست عذراء يا أستاذة لقد اغتصبت في المصعد حين كنت طفلة وكرهت بعدها كل شيء حولي، لكني لم أخبر أحدا من قبل وهذه المرة الأولى التي أتحدث فيها عن الموضوع.
حاولت أن تخفف عن طالبتها وأن تساعدها في تجاوز تلك التجربة الصعبة، طلبت منها أن تخبر والدتها، لكن الفتاة أجابت: لقد خططت لحياتي ولن أتزوج سأكمل دراستي وأعمل وأكون قوية بعيدا عن عالم الرجال.
ذهبت كل نصائحها مع تلك الفتاة سدى، فلا يمكن أن تصلح الكلمات كارثة مرة كالتي مرت بها، لكنها ما أن رأت تلك الصغيرة وحدها في المصعد حتى استعادت حالة الخوف التي تلازمها كلما شاهدت طفلا يسير وحيدا في الشارع أو باتجاه المصعد وكأن خوفها هو خوف جميع الأمهات الغافلات عن الشر المستفحل في النفوس المريضة.
كان كل طابق من طوابق المصعد يزيد خوفها وترقبها وهي لا تدري ماذا ستفعل حين تصل الصغيرة إلى بيتها ولا تعرف أين سيتجه الرجل بعدها فربما سيفكر بالانتقام منها بعد أن أغلقت عليه السبل ليكون وحيدا مع الطفلة، وربما كان الرجل ساكنا في الطابق نفسه وسيمضي إلى بيته بسلام من دون أن يعلم بأفكار المرأة وظنونها عنه، وهي لم تشأ التحدث مع الفتاة كي لا تثير شكوك الرجل أو استياءه، فقد قررت أن الصمت والمراقبة هما أقوى الأسلحة عندها الآن.
أخيرا وصل المصعد إلى الطابق الثالث والعشرين، خرج الرجل مسرعا وتبعته الفتاة راكضة بينما خرجت المرأة سالكة اتجاه الطفلة التي بدت وكأنها تلحق بالرجل، ووجدت نفسها تقف خلفهما بينما كانت الصغيرة تقول: هل تعرف يا بابا أني جائعة جدا؟!
دلال جويد
