لم يكن اسمها فقط «أمل» فكل من يعرفها يؤكد أنها تعيش على أمل مفقود من شخص لا يعرف الرحمة. «أمل» فتاة في السادسة عشرة من عمرها، وجهها بشوش مولعة بالحياة وبحب الرسم والطبخ. زادت المسؤوليات الملقاة على عاتقها من عمرها سنوات كثيرة تفوق عمر الطفولة الذي من المفترض أن تعيشه. فالحياة الصعبة التي فرضت على «أمل» في وقت مبكر من حياتها، جعلت منها أماً لإخوتها السبعة الغير أشقاء.

ورغم ملامح وجهها البريء والطفولي، إلا أنها عندما تبدأ في الحديث عن قصة حياتها وأحلامها تزول الضحكة ويبدو الشحوب على وجهها، وتمتلئ عيناها بالدموع. فقصتها بدأت منذ لحظة ولادتها التي كانت بمثابة مأساة عليها وعلى والدتها.

التي لم تلبث محاولة ومنذ 16 سنة الحصول على اعتراف أبوي لأمل من شخص تصفه «أمل» بعبارات خانقة أنه بلا إحساس أو ضمير. فكيف يعترف بشقيقها لمجرد أنه ولد ولا يعترف بها. ليجعلها ضائعة بدون هوية أو أوراق ثبوتية، أو حتى وجود في المجتمع لتلقى العلاج والتعليم والحياة الكريمة مثل سائر البشر. ليظل السؤال حائرا دائما في مخيلتها، ما هو ذنبي الذي ارتكبته لأنبذ من الحياة التي لم أخترها.

فبعد أن تزوجت أمها للمرة الثانية من رجل أخر قبل أن يربي «أمل» كابنة له، وجدت أن أوراق قضيتها قد ضاعت بين أروقة المحاكم وبين ضغوط الحياة المتسارعة على أمها التي تشكل المنقذ الوحيد لها.

فأخذت أمل تتأقلم مع الحياة فلا يمكن أن يغير قدرها إلا الخالق عز وجل. وتجلى دورها في العناية بإخوتها الصغار وإرسالهم صباحاً إلى المدارس وانتظارهم وقت الظهر، والطبخ، والعناية بالمنزل ومساعدة أمها التي تضاعفت عليها المسؤوليات خارج البيت بسبب ضيق حال زوجها.

رغم محاولات أمل في تناسي وضعها الأليم مع مضي الأيام والسنوات إلا أنها تتذكر أبسط أحلامها كلما فتح إخوتها كتبهم للدراسة، لتنكر حظها الذي لم يجعل لها من القراءة والكتابة نصيباً، وتجد مع كل أزمة مرضا تمر بها في حياتها أنها شخص مجرد من ابسط الحقوق، فالبطاقة الصحية التي قد توفر لها العلاج لا تصدر لأمثالها، لتبحث عن بطاقة أختها التي تصغرها للذهاب للمستشفى وتلقي العلاج.

فضلا عن أن فرصتها في أن تشكل أسرة وأن يكون لها كيان مستقل ضاعت مع ضياع أوراقها التي لم تصدر. فمع كل فرصة تمر بحياة والدة «أمل» تسمح لها باستئناف قضية أمل في المحاكم، ترجع خائبة من طول انتظار الأب المفترض. الذي ينظر للقضية بعين التجاهل واللامبالاة، بل هي في حياة لا يعلم بها إلا الله، فمتى تستيقظ ضمائر البشر ومتى سيكون المجتمع في صف من هم في مثل حالة «أمل»؟

ابتسام الشاعر