كانت تعيش في كنف أسرة مستقرة هادئة فأمها تغمرها حناناً ويفيض منها العطف، لتمضي ساعات معها، وأجمل لحظاتها عندما كانت تضع يدها الحنونة على يديها الصغيرة وتمسك الألوان لترسم فراشة أو عصفوراً، أو ما اختارت من الطبيعة، أما والدها، فيشتري لها ما تحب من الألعاب، ويضمها إلى صدره الدافئ باستمرار، كانت لا تطلب لعبة أو شيئاً إلا وتجده أمامها.
فقد جاءت إلى الدنيا بعد طول انتظار لها دام 9 سنوات، فهي أول فرحة تدخل البيت، بقيت هذه السعادة تغمر الأسرة حتى أصيبت أمها بمرض خطير، وما هي إلا أيام، حتى انتقلت إلى جوار ربها، لم تكن تعلم الطفلة شيئا عن الموت، فقد كانت تظن أنها رحلة قصيرة وتعود تحمل معها الألوان، لتبدأ معها برسم شيء جديد، وقد كانت تتلهف بأن ترسم هذه المرة مع أمها، كوخاً صغيراً وأباً وأماً يمسكون بيد طفلة، كانت تضع نفسها مكان تلك الطفلة، وتنتظر أمها بفارغ الصبر لتحكي لها عما تريد أن تخطه على دفتر الرسم.
مضت أيام ولم تعد أمها، أخذت تجهش بالبكاء، فقد طال انتظارها واشتاقت إليها كثيرا، وهي التي لم تكن تغيب عنها لحظة واحدة، لم تكمل السابعة من عمرها، وفجأة سمعت من قريبة لها تكبرها بأعوام قليلة، أمك لن تعود ثانية فقد ماتت، كلمة نزلت عليها كالصاعقة، فقد شعرت بأن الحياة توقفت، والأنوار المضيئة انطفأت، شعرت أن الحياة ظلام دامس، فلن ترى أمها بعد هذا اليوم ولن يحضنها صدر أحن من صدرها بعد الآن، حاول والدها أن يعوضها عن حنانها فلم يبق له سواها.
وفعلاً أعطاها كل وقته، واستمر ذلك عدة شهور، حتى بدأت حياته تتغير شيئا فشيئا، بعد أن سرقته زوجته الثانية التي اقترن بها، فلم يعد أباها الذي تعرفه، فقد أصبح يبتعد عنها، ولا يسأل عنها إلا قليلا، أما زوجته فقد أصبحت تذيقها أصناف العذاب، وصارت تنهال عليها بالسب والإهانة والضرب لأتفه الأسباب.
لم تكن هذه الأيام لتمضي دون أن تترك أثرا على شخصيتها فقد أصبحت عدوانية في المدرسة، تضرب زميلاتها، مما جعلهن يبتعدن عنها ويتحاشين الاقتراب منها، فلم تجد أحدا بجانبها، ولم تعد تحدث أحدا، ولا تشكو همها لأحد، شعرت بأنها معزولة عن العالم ولا أحد يحبها أو يسأل عنها.
مضت سنوات وهي وحيدة حتى جاء اليوم الذي تنتظره كل فتاة بفارغ الصبر، وهو بيت الزوجية، كانت تحاول أن تخفي شيئا من تلك الطفولة الحزينة لكنها لم تستطع، فانعكس ذلك على حياتها الزوجية، لتصبح عصبية مع زوجها بشكل لا يطاق.
مرت شهور وجاءت البشارة بحملها في أول ولد، كان زوجها سعيدا جدا، فقد كان ذلك بمثابة طوق النجاة الذي يمكن أن يحسن مزاجها ويقضي على عصبيتها كان زوجها صبورا جدا وعلى ثقة بأن هناك شيئا ما وراء زوجته التي تحمل مشاعر متباينة.
جاء اليوم الذي كان ينتظره بفارغ الصبر، فقد وضعت زوجته أول مولود، كانت السعادة تغمره، فقد كان ولده طوق النجاة الذي كان يبحث عنه لينقذه من بطشها، ليحرك مشاعرها، ويخلصه من عذابها، لكنها ما أن خرجت من المستشفى حتى عادت إلى ما كانت عليه.
حاول أن يردعها، دون جدوى، أصبح تراوده فكرة عرضها على طبيب نفسي، ليعرف سبب عصبيتها الزائدة وغير المبررة، ولم يكن يعلم أن عرضه هذا سيجد حالة من الضعف عندها، وانه الذي كانت تنتظره منذ سنين، فقد بدأت تتلعثم في كلمات بالكاد تخرج من ثغرها.
وقالت: أريدك أن تساعدني فأنا متعبة وأمر بظروف نفسية صعبة، قال لها سأساعدك حتماً فأنت وولدي حياتي كلها ولن أتخلى عنكما أبداً، فذكرت شيئا من طفولتها الحزينة، وقررا أن يذهبا إلى الطبيب النفسي، وذهبت بشجاعة إليه، لتتحسن بعد عدة جلسات وتتغير حياتها إلى الأفضل.
فراس العويسي
