بينما كانت إحدى الدوريات تقوم بعملها الروتيني شاهدت على الشاطئ سيارة متوقفة، ذهبت الدورية في جولة لمدة ساعتين ثم عادت إلى المكان ذاته فوجدت السيارة لا تزال في مكانها.

طلب الضابط من أحد أفراد الدورية أن يذهب ويتحرى الأمر، فكانت المفاجأة بأن وجد رجلاً بداخل السيارة لا يتحرك، وكأنه ميت، أخبر الشرطي ضباط الدورية الذي طلب سيارة الإسعاف حيث حضر الفريق الطبي التابع للشرطة وتأكد من المعاينة الأولية بأن الرجل مات منذ بضع سعات.

البحث عن الفاعل

عندما تفحص الضابط جثة الرجل لم يجد عليها آثار عنف أو مقاومة، كما أن محفظته وهاتفه النقال وجميع متعلقاته الشخصية كانت لا تزال معه، لذا كان الأرجح أن الوفاة طبيعية، ومع ذلك تم نقل الجثة إلى المختبر الجنائي لإجراء المزيد من الفحوصات عليها.

بعد نحو أربع ساعات جاء التقرير الطبي يشير إلى أن الوفاة ناجمة عن إعطاء القتيل مادة (السيانيد) وهي مادة سامة وقاتلة بسرعة كبيرة، وأنه تم إعطاء المادة له عن طريق حقنه في الظهر، مما يعني أن الشخص الذي أعطاه الحقنة كان يجلس في الكرسي الخلفي للسيارة ثم غافل القتيل وغرس الحقنة في ظهره بقوة ما أدى إلى وفاته.

وأشار تقرير المختبر الجنائي إلى أن هناك عملية جنائية، وأن القتيل لا يمكن أن يكون قد انتحر من تلقاء نفسه لأنه لو أراد أن ينتحر فإنه سيحقن نفسه في أحد ساعديه أما المكان الذي وجد فيه الحقنة وهي في الظهر (بين اللوحين) لا يمكن للشخص أن يصل إليه بيديه.

في هذا الوقت أمر الضابط بالتحفظ على السيارة والمحيط الموجودة فيه ورفع البصمات عنها من الداخل والخارج.

قام الفريق المختص برفع البصمات وبتفتيش السيارة كلياً.

وكان المطلوب وجود أي شعرة على الكرسي الخلفي للسيارة لأن الشعر من أهم العناصر التي يمكن من خلالها كشف الخارطة الجينية (خء) لأي إنسان.

أثناء تفتيش السيارة تم العثور على قلم (روج) وباروكة شعر صفراء وطلاء أظافر.

أصبح من الواضح أن امرأة تقف وراء هذه الجريمة، وأن للقتيل علاقة خاصة بها، وأن عملية القتل تمت بدافع الانتقام، عند التحري عن القتيل تبين أنه يعمل في إحدى المحطات التلفزيونية الخاصة، وعند السؤال عن المحطة التلفزيونية تبين أن غالبية العاملات فيها من الفتيات.

أصبح الأمر بالنسبة إلى الشرطة محيراً فليس من المعقول استدعاء جميع العاملات في المحطة التلفزيونية للتحقيق معهن.

كان الأمر صعباً لكنه بالتأكيد ليس مستحيلاً وكان بالطبع يحتاج إلى كثير من الوقت.

عند السؤال عن القتيل تبين بأنه يعيش في شقة وحده وأن ليس له أية علاقة مع جيرانه، فهم بالكاد يرونه وذلك بسبب اختلاف مواعيد عمله، حيث إن عمله كله بالليل.

بعد أخذ إذن من الجهات المختصة تم تفتيش الشقة، لم يتم العثور على أي شيء يفيد التحقيق، ومع معاينة البصمات التي وجدت في الشقة ومطابقتها مع البصمات التي وجدت في السيارة لم يكن هناك أي تشابه.

بدأت القضية تتعقد خاصة وأن مدير المحطة التلفزيونية التي يعمل فيها القتيل رفض رفضاً قاطعاً إخضاع الفتيات اللواتي يعملن لديه للتحقيق قائلاً لضابط الشرطة، إن كنتم تشكون في واحدة أو اثنتين أو حتى ثلاث فلا بأس يمكنكم أن تستجوبوهن أما أن تستجوبوا جميع العاملات في المحطة، فهذا غير ممكن، وعندما قال له الضابط إن استجوابهن وأخذ بصماتهن هو لدواعٍ أمنية، رفض مدير المحطة مهدداً بأن برنامج الصباح الذي تقدمه المحطة سيكون عن محاولات الشرطة استغلال نفوذها من أجل كبح حرية الآخرين.

وقال المدير إن الرجل الذي قتل يعمل عندي وأن متأثر جداً لذلك، لكن سمعة المحطة أولى من أي شيء.

هنا فكر الضابط بخطة معينة تتلخص في أن يطلب من شرطة المدينة التي تعمل فيها المحطة أن تأخذ بصمات الفتيات العاملات في المحطة بطريقة لا تلفت انتباه أحد، فإذا جاءت إحداهن لتجديد ملكية سياراتها أو شيئاً من هذا القبيل يمكن أخذ بصماتها.

وافقت الشرطة التي فيها المحطة التلفزيونية على ذلك، لكن الأمر سيأخذ وقتاً، فقد تسافر إحداهن من البلد أو تنتقل إلى محطة تلفزيونية في مكان آخر، لكن هذه هي الظروف التي كانت متاحة.

التحقيق مع جهات أخرى

كانت الأجهزة الأمنية بدأت التحقيق مع جهات أخرى مثل أصدقاء ومعارف القتيل، كما لجأت إلى هاتف القتيل النقال تبحث فيه عن أي شيء ولو خيط بسيط يقودها إلى بصيص أمل، لكن المكالمات التي وُجدت في ذاكرة الهاتف كانت معظمها من المحطة التلفزيونية وكذلك كانت الرسائل القصيرة، حيث كان معظمها تذكير القتيل بموعد البرنامج الذي يكتبه وإن كان هذا البرنامج جاهزا أم لا.

بعد مرور نحو ستة أشهر كانت الأمور كلها على حالها فلم يكن هناك شيء يبشر بالكشف عن الجريمة، حتى عندما ذهب أحد رجال الأمن إلى محلات بيع الشعر المستعار، خرجوا بدون نتيجة، فالكل كان يقول له بأن يبيع في اليوم ما بين (4 ـ 6) باروكات صفراء وإن هذه الباروكات متشابهة لأنها تأتي من ذات البلد الذي يورد إلى معظم محلات بيع الشعر المستعار، لذا فإنه من الصعب معرفة من اشترى هذه الباروكة أو تلك.

صار واضحاً أن القضية تتجه نحو المجهول وأنه من الأفضل تسجيلها ضد مجهول، لكن رغم أن هذه القضية أو غيرها يتم تسجيلها ضد مجهول، إلا أنه لا يعني أن الأمر انتهى بل يمكن إعادة فتحها في أي وقت قد تظهر فيه دلائل جديدة.

بدأت الأيام تمر وتظهر قضايا أخرى كثيرة من بينها قضايا قتل وأخرى مخدرات واعتداء وغيرها، ما جعل ضباط التحقيق في شغل دائم طوال الوقت.

المفاجأة

في أحد الأيام تلقى مكتب الضابط المناوب رسالة فاكس تقول بأن الشخص الذي قتل الرجل الذي يعمل في محطة التلفزيون واسمه (.......) موجود لدينا وهو رهن الاعتقال، كانت رسالة الفاكس مرسلة من دولة عربية إفريقية، ما أثار استغراب الضابط، فمن هو القاتل، وكيف وصل إلى تلك الدولة العربية الإفريقية، وهل المعلومات تتعلق بقضية قتل الشخص الذي يعمل في محطة التلفزيون أم أن الأمر فيه خطأ.

هنا قررت الأجهزة الأمنية إرسال فريق تحقيق إلى تلك الدولة العربية الإفريقية لمعرفة مجريات الأمور.

عندما ذهب فريق التحقيق إلى السجن في الدولة العربية الإفريقية اطلع على ملف التحقيق، حيث تبين أن القاتل شاب في العشرينات من عمره وليست سيدة كما كان الكل يتوقع، طلب فريق التحقيق رؤية الشاب والتحقيق معه فتم له ذلك.

بدأ الشاب يتحدث مع فريق التحقيق قائلاً أنا الذي قتلت (فلان)، وأضاف تعرفنا أنا وهو على بعضنا البعض منذ (7) سنوات وكان تعارفنا في أحد المقاهي وكنت أزوره في شقته وكذلك كان يفعل هو، وفي أحد الأيام أخربته بأن والدتي ترغب في زيارتي وأنني أبحث عن شقة مفروشة حتى أسكنها فيها، لكن البحث استمر طويلاً ولم أجد الشقة.

وهنا قال لي يمكنها أن تأتي إلى شقتي فأنا أسكن وحدي، لكن أنت تسكن مع زملائك في العمل ولا تستطيع أن تستقبلها في الشقة كونها شقة عزاب.

وأضاف الشاب رضيت بالفكرة على مضض رغم أنني سأكون معها طوال الوقت إلا أنني لم أرغب أن تكون والدتي في شقة رجل عازب.

وقال وأخيراً جاءت والدتي وانتقلت أنا إلى شقة صديقي الذي رحب بنا خير ترحيب وأفرد لنا غرفة في الشقة وأصبحت أنا وهي ننام في ذات الغرفة. لكن المشكلة هي أنني أعمل في دائرة حكومية وصديقي يعمل في محطة تلفزيونية وهذا يعني أنني أترك الشقة صباحاً وفيها صديقي ووالدتي وحدهما حيث إن دوام صديقي كان يبدأ الخامسة بعد الظهر ويستمر حتى الساعة الثانية عشرة ليلاً.

وأضاف استمرت والدتي عندي ثلاثة أشهر لكني لاحظت في الشهر الأخير من وجودها اهتمامها البالغ بصديقي حيث كانت تحضر له طعام العشاء عندما يعود وكذلك عرفت كيف يشرب القهوة، ما جعلني أغار عليها من الرجل.

ورغم أنني حاولت أن أجد غرفة في أحد الفنادق لي ولها حتى تنتهي مدة زيارتها إلا أنها أقنعتني بأنه لا داعي لأن تدفع فلوساً للفندق ما دام الرجل يسكننا في شقته ولا يأخذ منا نقوداً.

كانت الشكوك تساورني تجاه تصرفات والدتي خاصة وأنها كانت حريصة على أن تبدو أمام صديقي في أجمل صورة لها، ورغم أنني حاولت أن أراقب تصرفاتهما إلا أن الوقت لم يكن يسعفني فأنا أخرج إلى عملي الساعة السابعة صباحاً وأعود الساعة الثالثة بعد الظهر وفي هذه الفترة يكون صديقي نائماً صباحاً أو يستعد عند عودتي للخروج إلى عمله كنت أعيش في وسواس رهيب، وكنت أتمنى اللحظة التي تسافر فيها والدتي حتى أتخلص من العذاب الذي أنا فيه وأخيراً سافرت وكنت أنا وصديقي في وداعها، وعندما عدت من المطار قررت أن أقطع كل علاقة لي بهذا الصديق لكنه كان يلاحقني ويريد لعلاقتي معه أن تستمر.

وفي إحدى الليالي بينما كنت أنا وهو في المقهى جاءته رسالة على هاتفه النقال وكان هو قد ذهب إلى الحمام ومن قبيل حب الاستطلاع قرأت الرسالة وكانت المفاجأة التي لم أكن أتمناها فقد كانت الرسالة من والدتي تطلب منه أن يذهب لزيارتها وأنها رتبت كل شيء في أحد المنتجعات في قرية سياحية.

ما كدت انتهي من قراءة الرسالة حتى قررت أن أقتله وأقتلها معه. وبعد أن رجعت إلى البيت بدأت أضع الخطة لقتله، طبعاً هو لم يعرف بأنني قرأت الرسالة وأنا لم أعاتبه على علاقته بوالدتي.

وأخيراً كان الانتقام حيث طلبت منه أن نذهب معاً لتناول طعام العشاء على الشاطئ فوافق وأخذت معي الحقنة السامة والباروكة وقلم الروج وعندما وصلنا إلى الشاطئ تظاهرت بأنني أجلس في الكرسي الخلفي للسيارة حتى اخرج الطعام من هناك حيث غافلته وغرست الحقنة كلها في ظهره، ثم وضعت الباروكة وقلم الروج في السيارة ثم أخذت الحقنة والقفازات التي كنت ألبسها في يدي ووضعتها في كيس بلاستيك وملأته بالرمل ورميت بالكيس في البحر وتركت المكان وعدت راجعاً إلى البيت.

التحقيق في الدولة الإفريقية

وقال الشاب حاولت أن أبقى ولم أغادر البلاد حتى لا يشك بي أحد، وأخيراً حصلت على إجازتي السنوية وأتيت لانتقم من والدتي التي تسكن مع أخي الصغير في الشقة التي اشتراها لنا والدي قبل أن يموت.

وأضاف لاحظت والدتي عليّ أنني متوتر وأنني لا أعاملها بطريقة جيدة كالتي تعودت عليها مني وأنني أثور في وجهها عندما كانت تسألني هل الشرطة توصلت إلى الشخص الذي قتل «فلان» وعندما قلت لها كيف عرفت بأنه قتل قالت بأنها حاولت الاتصال به عدة مرات على هاتفه النقال لتشكره على حسن ضيافته لها وعندما لم يرد اتصلت بالمحطة التلفزيونية وأخبروها بأنه قتل.

وقال الشاب هنا قلت لها لقد كنت على علاقة آثمة معه فما كان منها إلاّ أن صفعتني على وجهي وعندما قلت لها لقد قرأت رسالتك التي بعثت بها له والتي رتبتي فيها لقاءك معه في احد المنتجعات.

هنا قالت لي إذاً أنت الذي قتلته، فقلت لها نعم أنا قتلته وأنا الآن هنا لأقتلك ثم أمسكت برقبتها أحاول خنقها لكنها بدأت تصرخ وتقاوم فجاء أخي الصغير يحاول مساعدتها وعندما لم يتمكن طلب مساعدة الجيران الذين جاءوا وأمسكوا بي وسلموني إلى الشرطة حيث بدأت الشرطة التحقيق معي لمعرفة السبب وراء محاولة قتل أمي، ورغم أنني حاولت أن أضللهم إلاّ أنني قلت لهم الحقيقة التي دفعتني إلى ذلك.

أما والدتي فقد رفضت أن تتكلم أي كلمة ومنذ تلك الحادثة وهي تلوذ بالصمت فقد أخبرني أخي بأنها لا تتكلم مع أحد حتى معه هو.

إعداد ـ أحمد سلطان