«حتى بيوت الكهربا اللي في الشوارع أحسن عن بيوتنا.. يارب التوبه».. هكذا ارتفعت حدة حديث فاطمة.. عندما تهاوى جدار المطبخ الذي تحاول إعادة بناء بعض تفاصيله.. كرد فعل طبيعي.. فالجمادات تستجيب أيضاً لنداء الموت.. وتنتهي صلاحيتها.. وتبلى.. وتستبدل بأخرى أكثر نفعاً..
فاطمة التي تجازف بقرار ترميم منزلها القديم، وتستضيف عمال البناء من جديد، وتفسح المجال للأتربة وغبار التشييد في بيت تجاوز عمره الافتراضي، في مدينة يتناطح فيها العمران ويتغير وجهها ويزداد نضارة.. وحضارة.. هي تسعى لتعديل أوضاع منزل متهالك.. تجهل مصير البقاء فيه..
فالارتحال قادم لا محالة .. ولكن الموعد غير محدد .. والسكان لا يملكون أياً من تفاصيل حياتهم المقبلة.. هم يتلقون الأوامر فقط .. بالنزوح السريع .. والصامت.
«ها يا اختي، شو اخبار مطبخج اللي توسعينه؟» «والله يا أم أحمد بعدنا.. نرقع من هنيه، ويطيح من هناك، العمال قالوا ماما هذا بيت قديم وايد.. خساره انتي سوي تعديل.. يمج .. حتى العمال مستخسرين يشتغلون في هالبيوت».. فهم أيضاً تناهى إلى مسامعهم أن جرافات الهدم في طريقها إلى هذه المكعبات المتهالكة.. التي فرخت مكعبات «غير شرعية» أصغر حجماً.. في محاولة للتغلب على أزمة الإسكان، وتعديل الوضع المايل.. سيما أن البيوت تحتفل قريباً بيوبيلها الذهبي..
«توكلي على الله يا فاطمة .. وكملي البناء .. ما ظني بيطلعونا من هالبيوت.. لين الحين محد يانا.. لين ايون بيحول الحول .. وبيجدم مطبخج.. لين الحين ماشي أكيد».
«والله يا اختي اني تعبت.. بيتنا صغير.. وبو العيال دوم يعزم ربعه.. والأولاد بعد.. والبيت دوم فيه ضيوف.. خلق الله توسعت.. ونحنا بعدنا في هالقواطي.. الله يرحمنا».
فاطمة حائرة مجدداً بين المزيد من التحايل على هذا المنزل المتهالك.. أو انتظار أمر البلدية بالارتحال.. ولكنها تشرع في التوسع.. فأعمال البناء انتقلت إلى المجلس مؤخراً.. لتحديثه وإضفاء لمسات عصرية، فموظفو البلدية يغرقون في المزيد من الصمت، ولا أخبار تلوح في الأفق.. بينما فاتورة فاطمة في استطالة..
في المنزل الأعمال على قدم وساق.. وفاطمة وجارتها أم أحمد تجولان في الأسواق.. تبحثان عن حلول متكاملة، في محلات الأثاث.. لمنازل متهالكة..
«تصدقين عاد يا فاطمة.. هالبيوت خسارة فيهن حتى الأثاث» «لا يا أختي أنا الحين عدلت المطبخ.. ووسعته.. والحين الميلس جاهز.. مب ناقصنه إلا الأثاث.. باجر بتزوريني وبتشوفين الفرق».
«وعاد كم صرفتي على هالبيت الخربه» «والله يا أم أحمد تعب بو العيال وهو يدفع، والأسعار كل ما يالها ترتفع.. لين الحين دافع 100 ألف بس على المطبخ والميلس» «عاد أنا سمعت أن البلدية بتطلعنا .. الفريج اللي عدالنا عطوهم مهلة شهر عشان يطلعون من بيوتهم»!!!!!
سقط جدار فاطمة مجدداَ! هذه المرة لا شيء تستند إليه.. لا تطمينات أم أحمد .. ولا إشاعات نسوة الفريج.. لا ينفع كلام المقاول ولا تعود «الفلوس»..
الفرج الذي انتظره الأهالي مطولاً اقترب أخيراً.. ولكن جاء الارتحال هذه المرة على هيئة شبح.. يهدد أحلام فاطمة وجيرانها وأماني العودة في التحام مجدد.. ويأتي على ما تبقى من بقايا صبر.. تآكل بفعل «الزمن» .. واستفاق على مشاريع أضاعت الحلم الأول ..
«ها وين بيودونا؟» «والله ما خبرونا.. قالوا دورولكم بيوت إيجار..» تسارع فاطمة في طرح السؤال الذي يثقل كاهلها ولا يتحمله رأسها الصغير.. «وبنرد هنيه مره ثانيه؟؟؟».. «مادري يا حرمه.. محد يدري.. الناس كلها بتظهر .. محد بيتم.. لا انتي ولا مطبخج اللي خسرنا هالبيزتين» .. «يعني ما بشوف البحر؟؟ ولا بنتيمع في الرايح كل يوم العصر؟» «..........».
يبدو أن العمر ضائع بين انتظار طال.. في كنف جدران الحب التي أكلتها الرطوبة.. وإشاعات أم أحمد بفرج الغربة التي قضت على أحلام البسطاء في العودة..
أمل الفلاسي
