بابتسامتها الرقيقة التي لا تفارق ثغرها خرجت ليلى إلى الحياة طفلة تضج جمالاً وبهاءً، كانت بالنسبة لأمها وأبيها أجمل مولودة في الدنيا، وظلا يشكران الله على هديته الجميلة، لم يتوانَ الأب عن توفير كل الألعاب لها، بل إن أمها هيأت لها أجمل وأوسع غرفة في البيت، زينتها لها بكل الألعاب والصور التي تحمل براءات الأطفال، كبرت ليلى بين أسرتها سعيدة ومدللة.
ودرست في أفضل المدارس الخاصة، أكملت ربيعها التاسع عشر ولا تزال تحمل كل صفات الرقة والجمال، ومازالت تنعم بحب ودلال أسرتها، لم تمر أشهر قليلة بعد بلوغها هذا العمر، حتى تفاجأت بعودة ابن عمها من مهجره في أمريكا، رأت ليلى علامات الحب والغرام في وجهه، وتعلقه الشديد بها، فقد كان أحمد يتابع أخبارها من أهله، انتابها شعور جميل بإحساس ابن عمها.
شعرت بسعادة بالغة في داخلها، ولكنها لم تصارحه بمشاعرها، بانتظار أن تأتي المبادرة منه، لكن أحمد كان قد قرر أن يطلب من أبيه وأمه خطبتها وعقد القران عليها في آن واحد، فهو يريد أخذها معه إلى بلد اغترابه، حيث يعمل هناك مهندسا في أحد مصانع السيارات، فرحت أسرته بذلك.
وسرعان ما نقل الأب رغبة ابنه إلى أخيه والد ليلى، لكن شقيقه طلب منه مهلة من الوقت، لأخذ رأي البنت وأمها، خاصة وان ابنته سوف تفارقه لأول مرة منذ تربت وترعرت بين يديه، نقل الأب رغبته لابنته، وان ابن عمها يريدها تنتقل معه إلى مقر عمله بالمهجر، وبدون تردد قالت ليلى لأبيها: أنا موافقة فهو ابن عمي وسوف يخاف علي من نسمة الهواء، ثم إنها فرصة لي لأكمل تعليمي في إحدى الجامعات الأمريكية، أرجوك يا والدي أن توافق وان تقنع أمي بذلك.
نظر إليها متأملاً ابنته التي قررت في لحظة أن تفارقه وقال لها:
لا عليك .. طالما أن هذه رغبتك.
ثلاثة أيام بلياليها استمرت طبول الفرح، وفي اليوم الرابع قال أحمد لزوجته:
ما رأيك لو أكملنا شهر العسل في أميركا، خاصة وأن الإجازة لم يتبق منها إلا أيام قليلة.
قالت: فكرة جميلة ولكن، ماذا عن فيزا الدخول.
قال: ما عليك طالما لدي وثيقة عقد الزواج سوف أحصل عليها سريعا، وما علينا إلا أن نذهب غدا سويا إلى السفارة لتقديم العرض، فكوني مستعدة غدا صباحا.
ردت عليه وهي في غاية الفرح: «من بدري.. سوف أجهز».
في الساعات الأولى من صباح اليوم الثاني، أخذ احمد وليلى، يستعدان للذهاب إلى السفارة، وقفا أمام البوابة الرئيسية، تعرضا للتفتيش الدقيق، ثم سمح لهما بالدخول إلى القسم القنصلي، وقفا في طابور صغير، ظهرا في قمة السعادة وهما يتبادلان أطراف الحديث، وفجأة انطلقت أصوات انفجارات شديدة، أعقبها طلقات من الرصاص.
أراد أحمد أن يحمي زوجته من الرصاص الذي ربما يكون طائشا، أراد سحبها إلى مكان آمن، وأثناء محاولته رأى ليلى وهي تسقط أمامه، والدماء تسيل من جسدها بغزارة، أصابته الدهشة كيف أصيبت ومن الذي أطلق عليها الرصاص، لحظات بدت عليه دهراً من العمر، هل سيفقد زوجته.
هل سترحل عنه في هذه اللحظات، ظل يسأل نفسه، وليلى تتكئ على جسد زوجها أحمد الذي اصطحبها إلى السفارة لإكمال معاملة سفرهما لبدء رحلة الحياة، إلا أن غدر الإرهاب لم يترك لهما فرصة، حاولت أن تقاوم ما بها من آلام، وأن تطمئن زوجها، لكن وفي نفس اللحظة باغتتهما رصاصات أخرى.
فكانت هذه المرة من نصيب الزوج، الذي سقط هو الآخر على الأرض غارقا بدمائه، ليلفظا أنفاسهما الأخيرة كضحايا لعملية إرهابية نفذها أفراد أدمنوا القتل والدمار وسفك دماء الأبرياء، لم يقتلوا احمد وزوجته فقط، وإنما قتلوا الابتسامة والسعادة في نفوس الآخرين.
جميل محسن
