تأخرت كثيراً قبل أن تتخذ قرارها الصعب بممارسة الرياضة، لعلها تخسر بضعة كيلوغرامات زادتها خلال العام الأخير وقد بدأت قريبتها التي انضمت إلى النادي الرياضي وصارت من الرشيقات تعطيها نصائح عن الرياضة وتخفيف الوزن وتتحدث بلوم مبطن جعل الاتصال بها أو لقاءها واجبا ثقيلا ليس من السهل تحمله، لذا لا بد من أن تقاوم رغبتها بالجلوس في البيت وتخرج للرياضة وتبدأ العمل بجدية.
ليس من السهل الحصول على نادٍ رياضي جيد بأسعار مناسبة وقد فوتت أكثر من اشتراك بعد يومين فقط من الذهاب إلى النادي لأن الأجهزة الرياضية جميعها مشغولة ولأن السيدات لا يرغبن بالتخلي عن جهاز المشي لامرأة لا تمتلك من الوقت سوى تلك الساعة الصباحية الشحيحة لذا صرفت الفكرة عن النادي وناقشت مع صديقتها فكرة المشي على الشاطئ لكنها انتبهت إلى حديقة السيدات القريبة منها، وهكذا وجدت أنها ستجد مكانا خاصا بالسيدات تستطيع أن تمارس الرياضة وتستمتع بالخضرة والهواء النقي وسيكون الموعد في السابعة مساء من كل يوم.
قررت أن يكون اليوم الأول يوم استطلاع فهي لم تزر حديقة السيدات تلك ولا تعرف ما تحتويه لأنها تجد في الخروج مع زوجها وأبنائها متعة أكثر، لكنها الآن تفكر بطريقة أخرى ولن تخسر شيئا من اكتشاف مكان جديد وقريب.
فاجأها الازدحام النسائي الشديد في حديقة السيدات وما أن خطت خطواتها الأولى داخل أسوار الحديقة حتى بادرتها شابة آسيوية بعربية ركيكة «ماما حنا ايدين ريول شغل زين» فشكرتها مستغربة المكان وقد شعرت بنفسها وكأنها «أليس في بلاد العجائب»، فالحديقة الجميلة تحولت إلى سوق تباع فيه مختلف الأشياء النسائية، وسيدات يفترشن الأرض ويعرضن بضائعهن بطريقة عشوائية والكل ينادي بصوت عال على بضاعته، فخمنت أن هناك خطأ ما قد حصل، ولولا تأكدها من اسم الحديقة عند البوابة لاعتقدت أنها قد قصدت المكان الخطأ.
بسطات لمأكولات شعبية ونساء يأكلن بشهية مبالغة وقد تحررن من قيود الاعتدال في الجلوس والتصرف وتباسطن في الأحاديث والضحكات بينما كان شكلها بالملابس الرياضية غير مألوف وغريب بين هذا الجمع النسائي العجيب.
حاولت أن تتعرف على السوق وسبب وجوده هنا في حديقة السيدات، فاقتربت من أحد المحال وسألت عن الأسعار وعن السوق هل هو دائم ؟ فأجابت البائعة: لا انه بازار مؤقت لكنهم أخذوا منا إيجارات مرتفعة ونحن نحاول أن نربح من بيعنا فنحن لا نمتلك القدرة على فتح محلات في السوق لذا ننتظر المهرجانات والبازارات.
بقيت تتأمل السوق فوقع بصرها على بائعة أخرى بشكل لافت فهي تبدو كشخصية المعلمة في السينما، وقررت أن ترى تلك المرأة التي جلست على كرسي أمام بضاعتها وشمرت عن ذراعيها وكأنها تستعد للقتال، وما أن اقتربت منها حتى صارت البائعة تنادي «هلا بالحلوات، الأنيقات، الرياضيات، لدينا كل ما تريدين شامبوات عطور ملابس ....»
شعرت بالخجل فهي لم تتعود مثل هذا النوع من التعامل في السوق، لكنها سلمت على المرأة بهدوء بينما كانت تنظر إلى بضاعتها الرخيصة، فسمعت امرأة تخاطب البائعة: «أم رعد بكم تعطيني هذا الثوب؟»
فردت البائعة: «15 درهما» وجاوبتها المرأة: « لا بعشرة» فلم تشعر إلا وأم رعد قد بدأت بإطلاق سيل من الكلمات البذيئة التي لا يمكن أن تتخيل سماعها إلا في الأماكن الرخيصة، حاولت أن تبتعد عن المكان شاعرة بالتقزز والخجل.
بينما كانت أم رعد تضحك منادية عليها: لا تخافي لم أوجه كلامي لك فهذه صديقتي وأنا أمزح معها وبين الأحباب تسقط الآداب.ابتعدت عن الحديقة التي تحولت إلى سوق رخيص ليست فيه مراعاة لأبسط الآداب الاجتماعية، فلا مكان للرياضة ولا حتى احترام لمكان أقيم ليحترم خصوصية المرأة.
دلال جويد
