اختارت ناصية وضعت أدواتها عليها والتي تتكون من موقد على الغاز، وصاج من الألومنيوم السميك، واحتفظت بمكونات طبقها الأساسي بعيدا عن الهواء والشمس وهي الزيت والدقيق والنكهات التي عادة تضيفها على ما تعده من فطير وهي جوز الهند والجبنة البيضاء والعسل.

لكنها قبل كل ذلك حجزت لابتسامتها الصافية محل الصدارة تبثها في وجه مرتادي السوق الشعبي حتى لو لم يكونوا قاصديها...هي فاطمة تلك الأرملة ذات الأطفال الثلاثة.

وتؤكد فاطمة رضاها عن وضعها حامدة الله وهي تلقي بنظرة خاطفة نحو السماء بينما تقبل باطن كفها اليمنى وظاهرها بامتنان.

لا بد أنك تعانين من قلة ذات اليد؟

نعم أعاني كما يعاني كثيرون غيري من قلة الموارد وقلة فرص العمل، لكن كوني غير متعلمة لا يعني أن أكون عاطلة مطلقا، خاصة حين توفى الله زوجي وهو المعيل، لم أترك أولادي لينهشهم الجوع أو الاستغلال، ولم أستكن للحزن أو الخوف على لقمة العيش فأنا ربة بيت جيدة وهذه في نظري وظيفة جليلة، كنت وما زلت أخدم بيتي وأولادي وأطهو لهم، والطهي كان سبيلي إلى العمل فمن منا لا يأكل؟!

لا أحد بالطبع. لذلك وجدت فرصة عمل بسهولة حيث سمح لي صاحب المقهى أن أقف في هذا المكان لفترتين من اليوم نهارية ومسائية ويكون عملي إضافة لما يقدمه من مشروبات ووجبات خفيفة، ولا تتصوري سعادتي ليس بكثرة الزبائن بل بسعادتهم وهم يتناولون الفطائر التي أعدها وهم مطمئنون لنظافتها ومعجبون بمذاقها.

ماذا يعني لك هذا العمل؟

أنا حريصة على هذا العمل كحرصي على تعليم أولادي الثلاثة وتعويضهم ما حرمت منه وما قد فاتني، ولأضرب لهم مثلا حيا بفضيلة العمل مهما نظر إليه الناس بدونية، فأنا أرفض هذه النظرة لأن العمل شرف، ولأني لو توقفت عندها أو تأثرت بها قطعا لن آكل ولن يشبع أولادي، وقد نجحت في أن أنتزع من نفوس أولادي أي مشاعر سلبية تجاه عملي.. فأنا أطعم الناس وأسكن جوع بطونهم حتى لو كان بثمن.

كيف تجدين العمل في هذا المكان؟

العمل في هذا المكان يتيح لي أكثر من فائدة فأنا أتواصل مع الناس يوميا بشكل مباشر ولا أشعر بالوحدة والملل كما يحضر أولادي بمجرد الانتهاء من مدارسهم. ولا يترددون في التهام بعض الفطائر الساخنة. أما الأهم فهو آني حرة في اختيار الوقت الذي أتوقف فيه عن العمل، حتى أكون مع أولادي أو لراحتي، فليس هناك من يلزمني بالبقاء المتواصل.

وهل تشعرين بالرغبة في التوقف عن العمل؟

حتى الآن لا أشعر بحاجة إلى التخلي عن العمل ولو ليوم واحد، على الرغم من توفر هذه الفرصة، لكن كثرة رواد السوق من السياح والمتسوقين من السكان لا تدع لي مجالا للرغبة، بل أجدها فرصة نجاح توفر دخلا جيدا ولله الحمد.

فاطمة الهديدي