في الوقت الذي يتعرض الإسلام إلى حملات ضارية من الهجوم ومحاولة لتشويهه بكل الصور وإظهاره على أنه دين إرهاب اختارت رابطة العالم الإسلامي بمكة «التعريف بالإسلام في البلدان غير الإسلامية الواقع والمأمول» عنوانا لمؤتمرها المقبل، وقالت إنها ستعد خطة للتعريف بالإسلام في الغرب من أجل تحسين صورته وتعريف مبادئه الصحيحة للشعوب الغربية.
وقد لاقت الفكرة ترحيبا من جانب علماء الأزهر الذين اعتبروها خطوة على الطريق الصحيح للتعريف بقيم وآداب الإسلام بصورة صحيحة، وقالوا إنها جاءت في الوقت الصحيح الذي يتطلع العالم إلى معرفة الإسلام ومبادئه وقيمه بعد حملات التشويه المتعمدة التي تشنها منظمات غربية على الإسلام والمسلمين جعلت العالم كله لديه شغف وفضول للتعرف على حضارته.
«البيان» التقى عددا من علماء الدين لمعرفة أهم المحاور التي من الممكن أن تعتمد عليها خطة التعريف بالإسلام في الغرب، وما الآليات التي يمكن الاعتماد عليها في هذا الشأن؟ وكيف يمكن التواصل بالشعوب الغربية وتعريفهم بالإسلام على الوجه الصحيح؟
في البداية قال الدكتور عبد الله سمك رئيس قسم الأديان والعميد السابق بكلية الدعوة: إن إطلاق حملة أو خطة للتعريف بالإسلام في بلاد الغرب هي مبادرة طيبة، وكان يمكن للمسلمين أن يقوموا بهذا الدور الفعال في وقت مبكر لأن الغرب يجهل الكثير عن الإسلام، وينظرون إلى سلوكيات بعض المسلمين وتصرفاتهم المتشددة والمتحجرة على اعتبار أنها من مبادئ الإسلام ومن قيمه التي يدعو إليها.
ومن ثم فإن الغرب يقوم باتهام الإسلام على أنه دين عنف وقتل، ومن هنا كانت الحاجة إلى وجود خطة لتعريفهم بالإسلام أمر ملح وعاجل، وإذا قامت مؤسسة بحملة في هذا الشأن فينبغي أن يشرف عليها أو يكون من أعضائها مجموعة من العلماء المستنيرين الذين يستخدمون العقلية الواعية في التعريف بالإسلام.
وأن الله جاء به للإنسانية كلها لإخراجها من ظلمات المعاصي والذنوب إلى نور الهداية والطاعة قال تعالى{وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، ومن ثم فإن الإسلام دين عالمي جاء للبشرية كلها، ولم يختص بأمة من الأمم، وهذه قاعدة مهمة يجب أن تنطلق منها أي حملة للتعريف بالدين الإسلامي في الغرب.
وأضاف سمك إنه لابد من الاعتماد على وسائل الإعلام المختلفة، وأن تكون أحد أهم محاور خطة التعريف نظرًا للانتشار السريع لهذه الوسائل، ووصولها إلى أكبر عدد من الناس في كل مكان في العالم، مؤكدًا أن الإعلام المستنير الذي يعطي الكلمة ويقوم بتوصيل المفاهيم بصورة رائعة وعقلانية هادئة لابد من الاعتماد عليه.
وأن نوفر له المادة العلمية التي تكشف عن سماحة الإسلام وقبوله للآخر، وحثه الدائم والمتواصل على الحوار، ونبذ العنف، والتأكيد على أن الجماعات المسلحة التي يلصقونها ظلما وجورا بالإسلام ما هي إلا جماعات إرهابية يرفضها الإسلام، ويحذر منها.
وأشار إلى ضرورة أن تتبنى حملة التعريف مؤسسات أو قنوات علمية فضائية لا تتكلم عن الماضي أو تذكر للناس مرويات وروايات لا صلة لها بالواقع أو العقلانية الحديثة، وأن تخاطب الشعوب الغربية في عقلانيتها الواعية لأن الله سبحانه وتعالى جعل الوعي في ثلاث حواس قال تعالى {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون}، فالهيئة أو اللجنة التي ستشكل للقيام بهمة التعريف بالإسلام ينبغي أن تخاطب السمع والبصر والفؤاد حتى تؤدي مهمتها على الوجه الأكمل.
أما الدكتور طه حبيش أستاذ الفقه المقارن فقال: إنه ينبغي التركيز على مسائل العقيدة من ناحية وحدانية الله ونبوة رسوله صلى الله عليه وسلم، أما بعد ذلك من قضايا فرعية ومسائل فقهية فتأتي في مرحلة لاحقة بعد التصاق الأساس العقدي في ذهن المتلقي الغربي.
وأضاف أنه يجب أن نستخدم كل وسائل التكنولوجيا الحديثة من إنترنت وصحافة وتليفزيون في نشر الإسلام، والتعريف به في الغرب، خاصة أننا سنسأل عن ذلك أمام الله سبحانه وتعالى يوم القيامة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بلغوا عني ولو آية»، ويجب كذلك أن نقوم بترجمة العديد من الكتب الإسلامية إلى اللغات الأوروبية حتى نتواصل معهم بشكل صحيح، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة بتعلم اللغات الفارسية والرومية حتى يتمكنوا من نشر الإسلام بينهم بالشكل المطلوب.
ويقول الدكتور عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه بجامعة الأزهر إنه يجب الاستعانة بكل وسائل العلم الحديث ومنها النت والصحف والمجلات والإذاعة والتليفزيون بشرط أن يكون المسؤول عن حملة التعريف بهذا الأمر فقيهًا في الدين وهذه ليست مهمة سهلة يستطيع أن يقوم بها أي فرد، وإنما هي أمانة يقول الله سبحانه وتعالى{فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}.
وأضاف إدريس أنه لابد من التركيز على الأمور الحياتية التي وضع لها الإسلام الحل لأنها هي التي تهم الناس وتجعلهم يعرفون قيمة الإسلام ومدى قدرته على مواجهة كل العقبات التي تقابل المسلم في حياته عن طريق وضع حلول دينية لهذه المشكلات.
وأضاف إدريس أنه من الممكن استغلال الأزمة المالية العالمية التي يمر بها الغرب الآن، وأن نطرح عليهم مبادئ النظام الاقتصادي في الإسلام لكي يعرفوا أنه البديل الوحيد القادر على إنقاذ البشرية من الانهيار الاقتصادي، وهذا ليس كلاما إنشائيا وليست أحلاما وردية بل هي شهادة شهد بها العديد من خبراء الاقتصاد في أميركا وأوروبا حينما عرفوا مبادئ الإسلام الاقتصادية.
وأوضح أنه بعد التركيز على الأمور الحياتية علينا أن نفهم الشعوب في الغرب الإسلام الحقيقي الذي يقدم حلولا سهلة لكل الأمور ثم نحدثهم عن العقيدة والإيمان بالله ثم بعد ذلك نشرح لهم مفهوم العبادة وطريقتها، وكيف يصلي الناس وما الفوائد الدينية والدنيوية التي تعود عليهم.
وحذر إدريس من الوقوع في الأخطاء نفسها التي يقع فيها بعض الذين يحاولون تحسين صورة الإسلام في الغرب، ثم تأتي محاولاتهم بنتائج عكسية، قائلاً: يجب أن تكون خطة التعريف منظمة ومحددة الأهداف من البداية، وأن يكون تقييمها مرحليا بحيث إذا انتهت مرحلة تُقيم نتائجها لنتعرف إلى الإيجابيات فندعهما ونقويها ثم نتعرف إلى السلبيات ونحاول ألا نقع فيها مرة أخرى.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية

