أدخلني إلى غرفة صغيرة ليس فيها سوى مكتبة مغطاة بالغبار ومفروشة بسجادة حمراء، تظهر خيوط السجاد من بينها من شدة الدهس. لا أتذكر كم مضى علي من الوقت في هذه الغرفة وحدي، فالوقت كان صعبا ومن أصعب المعايير التي يمكنني إدراكها، بعد أن جردني رجال الهيئة من حقيبتي وجوالي وساعتي وحتى حذائي، لأكون أمامهم مهدورة الكرامة بإحكام، لعلها خمس دقائق أقول لعلها.
وإذا بأحدهم يدخل من الباب، كنت واقفة فجسدي أبى أن يلمس هذه المساحة المخصصة لإهدار كرامتنا. لم أكمل كلمتي حين رأيته لم أكمل حتى نظراتي إليه، ولم استطع أن أميز صورته عن باقي حيوانات الغابة المفترسة. لم أكمل بعد الحرف الأخير إلا وقدمه الغليظة تنشب في بطني وكأنني كرة يقذفها بقدمه ويشبع رغبة باتت في صدره.
وهكذا انهالت علي الضربات واحدة تلو الأخرى في المكان نفسه، اقطع للحظة النفس ثم أعود استنشق الهواء الملوث في الغرفة، حتى أسقطتني ضرباته على ارض الكرامة المهدرة، فتشربها جسدي بأكمله ورأسي الذي تطن به أصوات المقهورين قبلي وبعدي في هذه الغرفة المظلمة الموحشة. هل هو حقيقة أم خيال طعم الظلم والقهر؟، أم هو سجن الإبعاد أهو الفراق أم الموت، وكذلك حواسي جميعها تشربت رائحة الظلم.
ودخل الآخر مؤنبا يحمل لي في نبرته ما يوحي التعاطف فعادت لي الحياة من جديد وشق الهواء النقي انفي فهو الوحيد حتى الآن الذي لم يشتمني بكلمة، وكانت إجابتي له بانكسار. وأجابني بإحساسه وتعاطفه معي وسألني هل أود العودة لأهلي وبيتي، وفي هذه اللحظة أحسست أن بيتي يفصلني عنه دهورا وكنت أتمنى أن يخرجني أحدا من هذا المكان..
ابتسم وقال: الآن سوف تخرجين وتعودين للحياة وتسعدين وتلتقي الأحبة وتهنئين، ولكنه قال لي ابصمي على هذه الورقة حتى تخرجي بأمان من هذا المكان الموحش المظلم. وبلهفة غير طبيعية وبيد حديدية أمسكت الورقة وبدأت اقرأ ، فتغير حاله وأبدى امتعاضه وقال لي أنت غير مستعجلة على الخروج لتقومين بقراءة الورق.
على ماذا أوقع وعلى أي شيء أدون وبماذا ابصم على اعترافات بجرائم لم ارتكبها، سلسلة طويلة من التهم... ما يحصل الآن هو جريمة كبرى بحق الإنسانية وبحق وطني وبحق الدين فلن ابصم. وما أن أعلنت له رفضي إلا وبصفعة قوية لا ادري في أي جهة من رأسي استقرت.
فتح الباب بعصبية شديدة ونادى بصوته الأجش العالي: تعالوا للمساعدة واحضروا لي مسدسا، فمن الواضح أن الأدوار مرسومة ولكل واحد بهذا المكان مهامه. وأتى الرجال ومعهم العدة.. عصا خشبية عريضة الرأس دقيقة الساق، ملفوف عليها لاصق اسود اللون قامت بتحيتي على أكمل وجه. الضربة تلو الأخرى على رأسي، وأراد أن يستمتع بيده فتارة يضرب بالعصا وتارة بيده حتى غطت الدماء وجهي ولم اعد أعي ما حصل.
وبعد أن أفقت من غيبوبة وجدت نفسي في عالم آخر.. عالم مظلم لم اعد أرى لقد فقدت البصر. وإذا بصوت زامور الإسعاف ينقلني من حيث لا ادري إلى حيث لا اعلم.
عبدالرحمن الوهيبي
