كانت التعليمات الصادرة من مركز القرار صارمة للغاية وكانت تنص على عدم التحدث عن الجريمة التي ارتكبت في محيط الجامعة إلاّ في أضيق الحدود ومع الضباط المشرفين على التحقيق فسمعة الجامعة أهم من أي شيء مع عدم إغفال مجريات التحقيق.
في صباح أحد الأيام تلقت غرفة العمليات اتصالاً من احدى الدوريات تطلب فيها سيارة إسعاف وفريق البحث الجنائي وخبراء البصمات. وقال الضابط المسؤول في الدورية إنه تم العثور على شابة (قد تكون فتاة جامعية) ميتة على مسافة قريبة من السور الخارجي للحرم الجامعي.
فور تلقي البلاغ انتقل إلى المكان فريق البحث الجنائي والطبيب الشرعي وخبراء البصمات وعدد من الضبّاط، حيث تم التحفظ على الشابة، وبالمعاينة الأولية أفاد الطبيب الشرعي بأن الوفاة حدثت قبل ساعات، حيث إن أطراف الجلد لا تزال تحتفظ ببعض لونها الطبيعي، إضافة إلى وجود بعض الكدمات.
طلب الضابط الذي بدأ يتابع القضية استعجال تقرير المختبر الجنائي وبعد بضع ساعات جاء التقرير ليقول بأن الوفاة حدثت نتيجة ضربة قوية من أداة صلبة على مؤخرة الرأس، كما أن الوفاة حدثت ما بين الساعة الثالثة والرابعة فجراً. وأضاف التقرير بأن القتيلة لم تقاوم الشخص الذي اعتدى عليها بدليل أنه لا يوجد على جسمها أي آثار لعراك أو إصابات نتيجة مقاومة.
وأشار التقرير إلى أن القتيلة في العشرين من عمرها وأنها حامل في الشهر الرابع. بدأت التحقيقات تسير ببطء فالتعليمات كانت صارمة للغاية وهي عدم الإساءة إلى الجامعة، كانت المؤشرات الأولية تشير إلى أن الفتاة من الجامعة وأنها تدرس في كلية (..........) وعند التحري تبين صدق هذه المؤشرات.
وضع الضابط المسؤول عن القضية خطة تقضي بمعرفة زملاء القتيلة والطلاب والطالبات المقربين إليها. وعند الاتصال بإدارة الكلية التي كانت تدرس فيها القتيلة أبدت الإدارة تعاوناً كبيراً، لكن معرفة أصدقاء كل طالب وطالبة كانت صعبة بالنسبة للإدارة لذا كان لابد من الدخول وسط الطلاب ومعرفة أصدقاء القتيلة، حيث تبين أن لها صديقة دائمة الخروج معها، كما أنها تعيش معها في الغرفة نفسها التي أعطتها لها الجامعة.
وكانت هذه الصديقة هي الأمل لضابط الشرطة في الوصول إلى بعض المعلومات، خاصة وأن الهاتف النقال للقتيلة لم يكن معها، حيث إن ضباط الشرطة يعتبرون الهاتف النقال كنزاً لا يعوض في معرفة الكثير من المعلومات.
تحفظ شديد
تم استدعاء صديقة القتيلة التي أبدت تحفظاً شديداً في أثناء التحقيق معها، فقد رفضت أن تكشف عن علاقة القتيلة بأي شاب في الجامعة أو الكلية التي تدرس فيها وعندما قال لها الضابط بأن القتيلة كانت حاملاً في شهرها الرابع لم تُبد أي استغراب أو اندهاش، مما يعني أنها كانت تعرف بمسألة الحمل هذه لأنه لم يبدُ عليها استهجان للموقف.
لم يستطع الضابط أن يأخذ من الصديقة إية معلومة مهمة فقد كانت تجيب على كل سؤال ب«لا أعرف»، «لا أعتقد» و«ليس لدي فكرة»، وهكذا. وهنا لجأ الضابط إلى أسلوب آخر، حيث هددها بأنه سيتهمها بقتل صديقتها واخفاء معلومات عن الشرطة مما يعيق سير العدالة، إلاّ أن الصديقة لم تقل شيئاً وأخيراً تم إطلاق سراحها، ولكن بقيت تحت المراقبة المستمرة.
خلال فترة المراقبة لم يظهر على الصديقة أي تصرف غير طبيعي حتى اتصالاتها الهاتفية كانت محدودة للغاية وكانت مع ذويها في بلادها. حاول عدد من المخبرين أن يعرفوا من الطلاب الآخرين في الكلية أية معلومات عن علاقة القتيلة بشاب زميل لها أو أستاذ لها لكنهم لم يتمكنوا، فقد كان هم الضباط والمخبرين أن يتوصلوا إلى الشخص الذي حملت منه القتيلة لأنه بالتأكيد سيكون له دور في قتلها أو على الأقل معلومات عن الشخص أو الأشخاص الذين قتلوها.
كان العزاء الوحيد للضابط الذي يتابع القضية هو أن المختبر الجنائي أخذ عينة من الجنين وتمكن من معرفة ال«خء» كان الضابط مصراً على معرفة الجاني مهما كانت النتائج، فهذه القضية الخطيرة يجب الكشف عنها حتى لا تتكرر مثل هذه الحوادث في المدينة الجامعية التي تضم نحو 25 ألف طالب وطالبة.
استدعاء الصديقة مرة ثانية
لم يجد الضابط أية معلومة توصله إلى القاتل لذا عاد واستدعى صديقة القتيلة، كان الضابط حاسماً وحازماً هذه المرة وطلب من الصديقة أن تدلي بكل المعلومات التي لديها، وإلاّ فإنه سيوقفها وسيوجه إليها تهمة قتل صديقتها.
إلاّ أن الصديقة بقيت مصرة على موقفها، وهو أنها لا تعرف شيئاً. هنا قال لها الضابط إنه سيتم توقيفها وستتم محاكمتها غداً بعد إخبار سفارة بلادها، عندما سمعت الصديقة بذلك طلبت من الضابط ألا يخبر سفارة بلادها لأنه لو عرف والدها أي شيء فإنه لن يسمح لها بالاستمرار في الجامعة.
أحس الضابط بأنه استطاع أن يصل إلى شيء وأن لسان الصديقة بدأ ينفك شيئاً فشيئاً، حيث قالت إن القتيلة كانت على علاقة مع شاب، لكنها لم تلتق به ولا تعرفه وإنما صورته مخزنة في «اللاب توب» الخاص بالقتيلة، وعندما سأل الضابط عن «اللاب توب» قالت بأنه موجود في الغرفة على حاله، لكنها لا تعرف كلمة السر لتشغيل الحاسوب.
قال لها الضابط نحن سنعرف كيف نصل إلى الصورة ثم ذهب معها وأخذ «اللاب توب» إلى أحد الضباط المهندسين والمتخصصين في التكنولوجيا. لاحظ الضباط صوراً كثيرة على (اللاب توب) مثل رحلات جماعية وأسرة وسهرات في الكلية وغيرها، لكنه لاحظ صورة لشخص موضوعة في إطار على شكل قلب.
بدأ الضابط يتحرى عن الشاب حيث تبين أنه في كلية أخرى وأنه من دولة مجاورة كما تبين ايضاً بأنه متزوج وله ولد وان زوجته تعيش معه. وكانت المعطيات كلها تدل على أنه شاب مستقيم ومن أسرة متدينة وان والده فقيها في دياره، بدأ الضابط يراقب الشاب استمرت المراقبة لأكثر من أسبوعين كما تمت مراقبة هاتفه النقال وهاتف شقته وكانت جميع المكالمات عادية جداً فقد كانت اتصالاته إما بأهله أو أهل زوجته أو أحد الزملاء في الكلية التي يدرس فيها.
تبين أيضاً بأنه لا يذهب للسهر خارج شقته بل أن يومه في الكلية وليله في شقته مع زوجته وابنه. احتار الضابط في أمر الرجل، لذا قرر استدعاءه، كان اللقاء وديا بين الرجل والضابط، وعندما سأله الضابط عن القتيلة قال الرجل بانه لا يعرفها لانه رجل متزوج وليست له مغامرات كباقي الطلاب.
وأضاف بأن والده لم يوافق على إرساله للجامعة الا بشرط واحد وهو ان يتزوج وذلك كي لا يقع في الحرام، وتأكيداً لموقفه سأل الرجل عن الوقت والتاريخ الذي ماتت فيه القتيلة وعندما عرف الرجل الوقت والتاريخ قال للضابط بأنه في ذلك الوقت كان مسافراً إلى بلاده وانه لايزال يحتفظ بالتذكرة.
وأضاف الرجل موجهاً كلامه للضابط ان أردت أن تتأكد فسأحضر لك الموقع الذي حجزت منه التذكرة ورقم الرحلة والمطار الذي سافرت منه. شكر الضابط الرجل وتأسف له على الإزعاج ثم طلب منه ان ينصرف ويعتبر كأن أمراً لم يحصل. بعد ان انصرف الرجل قام الضابط بالاتصال بالمكتب الذي تم منه حجز التذكرة فتأكد بان تذكرة تم حجزها باسم (....) بتاريخ (...) بعد ذلك ذهب الضابط إلى المطار وطلب القائمة الخاصة بالمسافرين في يوم مقتل الفتاة، حيث وجد اسم الشخص قد سافر فعلاً بالتذكرة التي حجزها.
بدأ القلق واليأس يتسرب إلى نفس الضابط وإلى فريق التحقيق. رجع الضابط إلى صديقة القتيلة وطلب منها ان تتذكر اية معلومة قد تفيد التحقيق، هنا قالت الصديقة بانها سألت القتيلة قائلة إذا كنت تحبين هذا الرجل ويحبك فلماذا لا تتزوجان، فردت القتيلة بان ظروفه في الوقت الحاضر لا تسمح لانه متزوج ولديه ولد، وان والده أجبره على الزواج لذا فإنهما سيتزوجان بعد أن يتخرج ويعتمد على نفسه ويخرج من عباءة والده والا فان والده سيقطع عنه المصروف الشهري وقد لا يستطيع استكمال دراسته.
أخذ الضابط هذه المعلومات وبدأ يحللها فوجدها تطابق ما قاله الرجل أثناء التحقيق معه. اخذ الضابط يراقب الرجل، لكنه كان يعود إلى ذاكرته ويقول بأن الشابة قتلت في الوقت الذي كان فيه الرجل خارج البلاد فكل الحقائق تشير إلى ذلك.
كان الضابط يعيش في حيرة كبيرة، وأخيراً قرر أن يستدعي الرجل ويوجه إليه تهمة قتل الشابة أو التستر على معلومات قد تفيد التحقيق. في إحدى الليالي كان الضابط يتناول طعام العشاء في احد المطاعم في مركز تجاري، وبينما هو كذلك شاهد الرجل بصحبة امرأة وطفل يتناولون طعام العشاء في نفس المطعم، أخذ الضابط يراقب الموقف دون ان يتنبه إليه الرجل أو يحس به وفجأة لاحظ الضابط ان الرجل اخذ محرمة ورقية .
وبصق فيها عندها تذكر ان المختبر الجنائي يحتفظ بالـ (خء) الخاص بالجنين فما كان منه الا ان انتظر بفارغ الصبر حتى انتهى الرجل من طعامه وذهب هو ومن معه ثم قام الضابط واخذ المحرمة الورقية، وذهب بها إلى المختبر الجنائي حيث أشارت التحليلات إلى أن الجنين يتطابق حمضه النووي DNA مع الحمض النووي للرجل.
هنا تأكد الضابط بان الرجل له علاقة بقتل الفتاة الجامعية حيث تم استدعاؤه للتحقيق، في أثناء التحقيق أنكر الرجل أي صلة له بالفتاة لكن الضابط أخبره بأنه وجد صورته على (اللاب توب) الخاص بالقتيلة، هنا قال الرجل بان وجود صورته على (اللاب توب) لا يعني انه له علاقة بها، فقد تكون معجبة به خاصة وانه شاب متميز حيث يمتلك سيارة فارهة وثروة كبيرة وأسرة معروفة فمن الطبيعي ان يكون له معجبات لكن الضابط اخبره بأن حمضه النووي dna مطابق للحمض النووي الخاص بالجنين.
بقي الرجل مصراً على موقفه واتهم الضابط بالكذب والتزوير هنا قال الضابط من حقك ان تتهمني بالكذب والتزوير لو أنني لم آخذ المحرمة الورقية التي بصقت فيها عندما كنت تجلس انت وامرأة قد تكون زوجتك وطفل في مطعم كذا في المركز التجاري.... في ليلة كذا، وأضاف الضابط لقد كنت أراقبك لأنني متأكد بأنك أنت الذي قتلت الفتاة الجامعية، فما عليك إلاّ أن تعترف.
الظروف هي السبب
بدأ الرجل يتحدث قائلاً تعرفت على القتيلة منذ نحو سنتين وكنت التقي معها في إحدى الشقق التي استأجرتها لها، وكانت بيننا قصة حب كبيرة وكنت فعلاً أريد الزواج منها بعد أن اتخرج لكن الظروف كانت تسير عكس ما أريد.
ففي أحد الأيام أخبرتني بأنها حامل وطلبت مني أن اتزوجها لكنني قلت لها بأنني لا استطيع لان والدي ان عرف سيحرمني من مصروفي الشهري ومن الجامعة، لذا طلبت منها ان تسافر إلى بلادها وان تنزل الجنين، لكنها خافت ان ذهبت إلى بلادها وعرف والدها ان يقتلها، لذا طلبت مني أن أتزوجها وعندما رفضت هددتني بأنها ستنشر الخبر في الجامعة وانها ستتصل بسفارة بلادي وتقدم شكوى ضدي هناك.
وأضاف في ليلة الحادث طلبت منها ان نخرج بالسيارة معاً لنعالج المسألة ثم أخذتها إلى مكان بعيد وبدأنا نتمشى ثم غافلتها وضربتها بالمضرب على رأسها فسقطت في الحال وبالطبع لم يكن هدفي قتلها ولكن كنت أريد أن تفقد الوعي ثم أقوم بالضغط على بطها حتى يموت الجنين فتنتهي من المشكلة، لكنها بدلاً من ذلك ماتت وكنت أنوي أن اتركها مكانها لكني لاحظت عمالاً قادمين نحوي فقمت بإدخالها إلى السيارة ورميت بها بالقرب من السور الخاص بالمدينة الجامعية.
وحول تذكرة السفر قال الرجل كنت اعرف بان الشرطة ستعثر عليها وتبدأ التحقيق، ولكي ابعد الشبهات عني فقد حجزت تذكرة سفر باسم قريب لي يحمل نفس الاسم الثلاثي لي وطلبت منه ان يذهب إلى الديار لكي يطمئن على والدتي المريضة وتكفلت له بجميع المصاريف فوافق على الفور لذا عندما سألت مكتب السفريات عن قائمة المسافرين في المطار كان اسمي موجوداً.
وكأنني انا الذي سافرت لكنك لو طلبت جواز سفري لعرفت بأنني لم أسافر وان شخصاً آخر يحمل نفس الاسم هو الذي سافر. وقال لقد كنت أحاول بذلك ان ادفع أي تهمة عني لو انكشف أمري. نظر الضابط إلى العريف الذي كان يسجل المحضر وقال له اقفل المحضر في تاريخه وساعته.
إعداد ـ أحمد سلطان
