جميع مناهج التربية قائمة على تصحيح السلوك وتقويم الخلق وتبصير الناس ولا يستقيم منهج للتربية دون إقالة للعثرة وصفح عن الزلة. وقد خلق الله الإنسان بطبيعة غير طبيعة الملك وغير طبيعة الحيوان الأعجم فالملك مفطور على الطاعة والحيوان الأعجم خارج عن دائرة التكليف والإنسان وحده هو حامل أمانة التكليف ومسؤولية تطبيق الشريعة الإلهية. والله تعالى لا يدع مذنباً على يأس ولا عاصياً على قنوط بل النداء العام الخالد الذي رفعه القرآن المجيد.

فعن عبد الله بن مسعود رضي الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهُ أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن، من رجل في أرض دَويّة مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فاللهُ أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده» رواه مسلم.

فمن ارتكب إثماً أو خطيئة تقع تحت حد من حدود الله تعالى فأقيم الحد عليه فالحدود كفارات تجبر الذنب وتصلح حال النفس والله تعالى أكرم من أن يضاعف العقوبة على عبده في الآخرة.

وإذا كانت المعصية لا تقع تحت قائمة الحدود أو ستره الله تعالى فلم يكشف ستره فإن طريق الخلاص في حقه يتحقق بمراحل متعاقبة متلازمة هي: الندم على ما فرط منه في جنب الله تعالى، الإقلاع عن المعصية فلا يقيم عليها، العزم على عدم العود إلى ما يغضب الله سبحانه وتعالى، رد الحقوق لأصحابها إن كانت المعصية تتعلق بحق من حقوق العباد، الإكثار من العمل الصالح وطيبات السلوك والإقبال على الله بالهمة وكامل العزيمة وصدق التوجه.

وليس في دين الله معصية لا تقبل التوبة منها أو ذنب لا يغفره الله لمستغفر وكل من أقبل على الله بتوبة صادقة غفر الله له وقبل توبته فالكافر يسلم قال تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف).

فالتوبة واجبة من الذنب ولو تكرر عدة مرات كل ما في الموضوع أن المسلم لا يصل إلى مرحلة الاستهتار والاستخفاف بالقيم والشرائع بل يندم حقيقة حين يقارف الذنب لإدراكه أن له رباً يستطيع أن يعاقبه ويستطيع أن يغفر له.

والمسلم لا يقنط من رحمة الله ولا ييأس من عفوه بل إن اليأس من الرحمة الإلهية كبيرة من كبائر الإثم قال تعالى على لسان إبراهيم: (قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) وقال جل شأنه على لسان يعقوب: (ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون).

والحديث الشريف يؤكد أن تكرار التوبة المصاحبة للندم سيصل بالإنسان يوما ما إلى الإقلاع التام عن المعصية .

رجاء علي