شهدت جلسات المؤتمر الثاني لمنظمة المرأة العربية الذي افتتح أعماله أمس الأول في قصر الإمارات بأبوظبي مناقشات ساخنة حول موضوع تمكين المرأة وقضايا أمنها في المفاهيم العالمية والإقليمية، حيث شهدت عدد من السيدات الأول في الوطن العربي جلسات المؤتمر من ضمنهم سوزان مبارك حرم الرئيس المصري.
وقدم الدكتور بهجت قرني رئيس الفريق العلمي للمؤتمر أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأميركية بالقاهرة ورقة عمل حول الرؤى العالمية للأمن والأمان «هل تم أخذ المرأة بعين الاعتبار» وترأستها الدكتورة هيفاء أبو غزالة الأمين العام للمجلس الوطني التنفيذي لمنظمة المرأة العربية واستهدفت الورقة عرض الجدال العالمي الدائر حول مضمون الأمن الذي يعد مطلبا أساسيا للأفراد والشعوب على مر الزمان وفي مختلف الأماكن. وقال انه حتى الآن لم يتم في هذا النقاش العالمي بلورة إسهام عربي محكم يستوحي سياق هذه المنطقة الاستراتيجية الحساسة، مثلا: هل الاستقطاب الحاضر بين المفهوم التقليدي لأمن الوطن والمفهوم الموسع والمتعمق للأمان الإنساني يفرض على المفكرين وممارسي السياسة في المنطقة العربية اختيار احد المفهومين دون الآخر؟ وهل مفهوم الأمن الوطني ومفهوم أمان الإنسان نقيضان لا يمكن الجمع بينهما على مستويي التحليل والممارسة؟.
وأفاد الدكتور قرني أن الأمان الوطني بدون أمان المواطنين وخاصة نصفه النسائي يجعل من الأول غشاء أجوف يسهل الإطاحة به بسهولة كما أن أمان المرأة لا يزال يستفيد حتى الآن من تأييد السلطة السياسية ومن مبادرتها في القطاعات المختلفة بما فيها القطاعات الحساسة مثل القطاع السياسي (مثلا: سياسة التعيين في المجالس المنتخبة) ومن هنا تنبع أهمية أن يكون أمان المرأة جزءا لا يتجزأ من النقاش العالمي حول امن الدول والمجتمعات.
وان يستوحي في ربطه بما يحدث في الدراسات عن وضع المرأة لذلك استعرضت الدراسة ثلاثة مشروعات بحثية عالمية لجرد مظاهر الظلم الواقع على المرأة العربية مستوحية المنهجية الطبية، حيث ناقشت الدراسة بكل صراحة الأعراض لتشخيص الداء ثم انتقلت لاقتراح الدواء عن طريق سبع خطوات تنفيذية لتمكين المرأة العربية كإحدى الركائز المهمة للأمان والنهضة العربية الشاملة.
الظلم انعكاس للتخلف
وقال الدكتور قرني ان تقرير التنمية الإنسانية العربية يؤكد أن الوضع الحالي الظالم للمرأة العربية ما هو إلا انعكاس لحالة التخلف التي تعيشها المنطقة العربية سواء من الناحية السياسية أو الاجتماعية أو حتى الفكرية وبمقارنة عام 2006 بعام 2002 عندما ظهر المجلد الأول من التقرير فإن هذا التقرير الأخير يعلن ما يسمى بأفول ربيع التحول الديمقراطي وتراجع ما تم الإعلان عنه من مشروعات إصلاحية سياسية جذرية ويرصد تزايد انتهاكات حقوق الإنسان.
وكذلك المساحة المسموح بها للتعبير عن حرية الرأي في المنطقة العربية ككل، كما أن ازدياد ما يسمى بالحرب على الإرهاب إضافة إلى ويلات الاحتلال المستمر في كل من فلسطين والعراق زاد الطين بلة فيما يتعلق بالدفاع عن حقوق الإنسان.
وأشار الدكتور قرني إلى أن التقرير أكد أن المجتمع لم يعترف بقدر كبير من النساء المتميزات وبإسهامهن في الحياة الاجتماعية والاقتصادية ونتيجة لهذا الظلم والتهميش فإن المرأة تعاني من درجات عالية من التدهور الصحي وحتى الوفاة وخاصة أثناء الحمل والولادة وكذلك فإنه رغم انتشار التعليم وزيادة مستواه فإن البنات ما زلن يعانين من نقص الفرص في الحصول على نواحي المعرفة خاصة جوانبها الحديثة.
التمييز ضد المرأة
وقال ان هذا التمييز ضد المرأة لم يقتصر على القطاعين الصحي والتعليمي بل تعداهما لينتشر في جوانب أخرى من المجتمع مثل مجالات العمل والاقتصاد، خاصة وان نسبة مشاركة المرأة العربية في القوة العاملة لا يزال هو الحد الأدنى بالمقارنة بأقاليم العالم المختلفة، فمثلا بينما كانت النسبة العالمية لمشاركة المرأة في عام 1996 هي 40% لم تزد في المنطقة العربية عن 26% من قوة العمل.
وأَضاف: بينما يتعرض تقرير اليونيفيم لأربع مجالات لتقدم المرأة تتعلق بالمجتمع والاقتصاد وتخطيط السياسات وهيكل النظام السياسي، فإن تقرير التنمية الإنسانية يعطي الأولوية في تمكين المرأة لقطاعي الصحة والتعليم، فهو يقر مثلا ان متوسط معدل وفاة الأمهات حوالي 270 امرأة لكل 10 آلاف مولود ولكن يرتفع هذا المعدل إلى 1000 وفاة في الدول العربية الفقيرة مثل الصومال وموريتانيا.
وفيما يتعلق بالتعليم ونقصه أوضح الدكتور قرني أن الموقف بالنسبة لهذه المجالات سيء أيضا، حيث تعاني المنطقة العربية من أعلى معدلات الأمية عند النساء مقارنة بالرجال حوالي 50% بينما الذكور تتراوح بين 30 الى 35% وفق تقرير التنمية الإنسانية العربي.
وقال ان قطاع الصحة والتعليم يشكلان ركيزتين أساسيتين لتمكين المرأة، فالتعليم شرط مهم خاصة إذا ارتبط بمعناه الواسع من إعادة التنشئة وصقل الأفكار ليس فقط في المناهج الدراسية بل في أجهزة الإعلام والمعتقدات الشعبية والفتاوى وخطب المساجد وتحقيق كل ذلك يعتمد على شرط مسبق وهو العمل السياسي بمعنى المشاركة الفعلية للمرأة في اتخاذ القرارات.
المنظور الثقافي
وتناولت جلسة العمل الثانية ليوم أمس موضوع أمن المرأة من المنظور الثقافي، حيث قدم الدكتور عبد الباقي الهرماسي رئيس المجلس الأعلى للاتصال في تونس ورقة عمل حول المنظور الثقافي وأمن المرأة وترأس الجلسة الدكتورة بشرى كنفاني من وزارة الخارجية السورية وعضو المجلس التنفيذي لمنظمة المرأة العربية في الجمهورية العربية السورية.
وأشار محمد عبد الباقي في ورقته إلى أن المرأة العربية اليوم مهددة بين مطرقة الأصولية وسندان الأطروحات الاستشراقية السطحية، لذلك فإن أمنها يحتاج إلى مزيد من الدعم للأسس الثقافية، فترسيخ القيم التحررية من شأنه أن يشكل صمام الأمان لكل المسارات الناهضة للمرأة.
واستعرضت الورقة مختلف المقاربات مثل النظريات الاستشراقية أو مقاربة النوع الاجتماعي التي تحتكم إلى المعطيات الانتربولوجية والديموغرافية وتبرهن من خلالها على أن العائلة العربية أصبحت عائلة عصرية مقارنة بوضع المرأة في الصين والهند خلافا للعادة التي دأبت على مقارتنها دائما بالوضع في المجتمعات الغربية.
وقال ان المضي قدما في تأمين أمن المرأة العربية يتطلب أكثر من اجتهادات النخب رجالا ونساء ورأينا أن تدخل الدولة أصبح اليوم أساسيا للتعجيل بتقدم المرأة العربية وضمان أمنها.
واختتم الدكتور عبد الباقي بأهمية ترشيح الدولة حتى تكون ضامنا رئيسيا لأمن المرأة العربية، ذلك لأن الدولة مهيأة أكثر من أي فاعل اجتماعي آخر لتصون امن المرأة وتتجه بها الى طور الحداثة، فمثلما بينت التجارب الراهنة فإن الدولة الفاشلة تؤدي دائما إلى وضعية تكون فيها الضحية الرئيسية وأكثر من يدفع فاتورة ذلك السقوط المخيف فالكلفة السياسية والاجتماعية لهذا الفشل تكون دوما على حسابها.
أبوظبي ـ ماجدة ملاوي

