لم تستطع ضبط فورة عواطفها ومكامن نفسها الثائرة حيث انهالت الدموع من عيني «منى» وبحرقة، بعد أن قرأت في جريدة الصباح وبعد طول انتظار أسماء المقبولين في التربية، لتجد أن اسمها ليس من بينهم، فبعد رحلة عناء طويلة أمضتها «منى» بعد تخرجها من الجامعة وبتقدير امتياز من مادة الجغرافيا لم تلق التقدير المناسب لمهنتها في المجتمع.
كان أكبر أحلامها أن تصبح مدرسة جغرافيا، مهنة عشقتها منذ نعومة أظفارها وتمنت أن تفرغ فيها طاقاتها المعرفية التي جمعتها في المادة منذ الصغر، فلم يكن أطلس العالم يفارق يديها.
وكانت كلما قرأت عن بلد أو أرض جديدة ترحل على بساط الخيال لتلامس تضاريسه وتتعرف إليه وتدرك تفاصيله وما يتعلق به ولتحلم يوماً ما بنقل خبرتها للطلاب وتجعلهم يشاركونها نشوة المعرفة وحلاوة العلم بهذه الأرض وما تحمله من أسرار وما تخبئه بين سهولها وجبالها وآثارها من كنوز علمية عظيمة.. إلا أنها اكتشفت خيبة أملها في واقع صادم ووجدت نفسها قد بنت طموحها وأحلامها على علم لا يلقى الاهتمام المفروض في مجتمعها بل على العكس من ذلك ترى أن هذا العلم في طريقه نحو الانقراض.
ومع كل هذه الصعوبات التي وجدتها على أرض الواقع إلا أن إصرارها كان يدفعها على الدوام نحو السعي لتغيير واقع لا يمكن تغييره، فلم تقف عند رفض طلبها أن تصبح مدرسة، «فمنى» تجد في نفسها طاقات شبابية لابد أن تفرغها في المجتمع، حتى لو كان ذلك على حساب سنوات عمرها التي تمضي.
كان أول ما فكرت فيه التطوع، فطرقت أبواب الكثير من المؤسسات والدوائر التي قد تتناسب ولو بدرجة بسيطة مع مؤهلها العلمي، ولكن دونما فائدة، وظلت على هذه الحال إلى أن قبلت كمتطوعة في الفترة الصباحية في إحدى الدوائر التي لا تتوافق مع تخصصها، ولكنها الجهة الوحيدة التي قبلت بها، فعقدت العزم منذ قبولها على أن تكون أكثر الموظفين التزامها بالدوام الرسمي وكانت أكثرهم حماسا للعمل، فأظهرت إبداعاتها، وحاولت أن يكون عملها كاملا من دون ثغرات لتلقى استحسان المدير أملاً في التوظيف المستقبلي.
كانت إرادة «منى» أقوى من أن يدب إليها اليأس أو يعتريها القنوط، خاصة بعد أن وجدت جهة تتبناها، فكان اجتهادها في العمل واضحاً، حيث حاولت من خلاله أن تلملم أوراق الهيئة المتناثرة في سجل إلكتروني يمثل بصمة إنجاز لعملها معهم، ويكون بداية انطلاقتها في الهيئة.. مضت الأيام و«منى» مواظبة على الدوام ولمدة سنتين دون انقطاع أو إجازة لدرجة أن أصبح الكل يثني على عملها.
وفي أحد الأيام وبينما كانت «منى» كعادتها في طريقها إلى العمل، تفاجأت بوجود فتاة جالسة على المكان الذي اتخذته منى مكتبا لها منذ دخولها للهيئة.
سألت الفتاة باستغراب، نعم من أنت؟ وماذا تفعلين على مكتبي؟
أجابتها الفتاة وبكل ثقة: أنا الموظفة الجديدة في هذا القسم، وقد خصص هذا المكتب لي حاليا، وطلب مني المدير أن أبلغك أن تخلي المكان.
كان وقع الكلام الذي سمعته كالصخرة المؤلمة، التي أدخلتها في صدمة ألجمت لسانها عن الكلام وتهاوت أمام عينيها في لحظات سنوات الجد والاجتهاد والعمل الدؤوب والحرص على الانضباط في يقدر المسؤولون أي جهد بذلته فيها، وبدا على ملامحها خيبة أمل كبيرة..
استجمعت بقايا قدرتها على الحركة وخرجت مسرعة من الباب الرئيسي والدموع تتسابق على خدها، بعد أن رأت نفسها تسعى وراء وهمٍ تقف الإرادة عاجزة أمام تغييره، وعلمت حينها أن في هذه الحياة الكثير من الموازين والمقاييس التي تبتلع طاقات المخلصين وتحطم إراداتهم وتغرس في نفوس الطامحين يأساً متجذراً يبقى على الدوام كالأغلال القوية التي يصعب الخلاص منها.
ابتسام الشاعر
