بنظرة تأمل حالمة استلقت حليمة على فراشها ترمق بعينيها أركان غرفتها بعد أن فرغت من قراءة إحدى روايات عبير، وإذا بها تسمع وقع خطوات أقدام متسارعة تقترب.. فتح الباب وإذا بها أختها الصغيرة «عائشة» تقول لها بصوت لاهث دون توقف، حليمة لقد استرقت السمع في المجلس وسمعت خطيبك يحدث أبي عن موعد عرسكما، وهو بعد أسبوعين تاريخ 25 ديسمبر 2007. طارت حليمة من فراشها فرحا ودهشة، فخطيبها لم يحدثها بقدومه وبعزمه على تحديد موعد الزواج رغم أنها حادثته منذ ساعة تقريباً.
أخيرا بعد خمس سنوات من الانتظار والتألم بصمت من همزات المشككين ولمزات أقرب الناس إليها، ومن أحاديث ساخطة من صديقاتها وهمسات زميلتها بالعمل عن تأخرها بالارتباط، عاد أخيرا خطيبها «محمد» من السفر حاملا معه شهادته العليا لتقفل كل أبواب الشك والريبة، وتغلق أفواه مثيري الإشاعات إلا أنها انتظرت ستة أشهر كذلك لتدخل قفص الزوجية، ولكنها في النهاية هنئت بتلك اللحظة التي انتظرتها طويلا.
حليمة شابة الآن في السابعة والعشرين، جميلة ومثقفة تخرجت من الجامعة في سن الثالثة والعشرين، وانتظرت سنتين للالتحاق بوظيفة في وزارة التربية والتعليم حيث لم يمر شهر على عملها إلا وخطبت وعقدت القران مباشرة في الشهر الذي يليه.
تعلقت كثيراً بمن خطف قلبها وأراد أن يسترها من إغراءات الدنيا، كان نصفها الثاني بلا شك كما تؤكده أثناء تبريراتها لمن يتحدث عنه وعن تأخره في الارتباط بها، فهو دائم الاتصال بها للاطمئنان عليها ودعمها في انتظاره وعدم الاستماع إلى أقوال الحاسدين. فما بعد الصبر إلا الراحة والخير الكثير مثلما يقول لها زوجها «محمد» الذي يدرس الهندسة في الخارج.
دائما حليمة قوية وصابرة، فهي لم تدع مجالا للشك في نفس والديها أو إشارتهما إليها بعتب في ارتباطه السريع بها وأخذها معه، أثناء عودته لقضاء إجازته السنوية لمدة شهرين أو ثلاثة في أرض الدولة.
لم تكن تظهر مدى إحساسها بالضعف والعجز في أحيان كثيرة، وفي حججها الواهية وغير المجدية متذرعة بوفاة خالها العزيز وصديقتها الحميمة ومشكلات أخرى واجهتها مؤخرا، وبصفة خاصة إذا ما تم مقارنتها بصديقاتها اللواتي ارتبطن من بعدها ولديهن الآن من الأطفال.
عاشت فراغا عاطفيا ونفسيا قاتلا على أمل أن الخير قادم لا محالة، توارت عن الأنظار وانزوت رغم وجودها في كل المناسبات العائلية والاجتماعية.
حليمة الصابرة وجدت ضالتها أخيرا بدخولها القفص الزوجي، لتنفجر لحظة الحقيقة في طلاقها بعد أقل من خمسة أشهر تحديدا لتثير في محيطها التساؤلات والأجوبة الحائرة وتعود لصمتها المعتاد مجددا، منهية الفصل الأخير من قصتها الصامدة وبأنها كانت في الجانب الآخر تقاتل لوحدها بعد كل تلك السنين.
لتكتشف أن زوجها كان متعمدا تركها تناضل وحيدة ليبعد عن نفسه الشبهات والريبة إلا أنه صدم بقوة بأسها وجلدها ليرفع الراية البيضاء ويستسلم أمام صبرها كالآخرين معلنا بأنه «شخص عاجز جنسيا» وهو لا يستحقها، لأنه عجز عن قول الحقيقة كما قالت حليمة وعن مواجهة مشكلته في وضعها أمام وجه مدفع إشاعات الناس في أنها إنسانة ضعيفة وخائفة.
ناهد مبارك
