تأخذ قصائد درويش بعدا إبداعيا جديدا حين يغنيها مارسيل خليفة، ومن بعض هذه الأشعار التي تحولت أغنيات، حيا خليفة الراحل درويش في حفل نظمته مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون مساء أمس الأول على مسرح قصر الإمارات في أبوظبي وخصص ريعه لمؤسسة «وعد لكل طفل» للأطفال اللاجئين في غزة والقطاع.
وكان معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي قد دعا في كلمة ألقاها قبل بدء الحفل إلى دعم هذه المؤسسة، قائلا: هذا النبت المتمثل بأطفال فلسطين، يتطلب من الجميع الدعم، والعناية خاصة أن الأطفال يعيشون حياة صعبة كذويهم، وعلينا أن نحتضن هذا النبت الطيب.
فقضية فلسطين كما أكد نهيان بن مبارك قضية العرب والدولة، وندعمها بكل قوة من أجل قيام دولة فلسطين وإنشاء عاصمتها القدس الشريف، وإننا نسلتهم كل ذلك من قيادتنا الحكيمة.
كما أشاد معالي الشيخ نهيان بالجهد الذي يبذله الفنان القدير مارسيل خليفة، فنان اليونسكو للسلام، بما يقدمه من نصرة للقضية، وإحساسه بها.
وقال معاليه: نحيي الفنان الأصيل لدعم قضايا وطنه، وأمته بلاحدود. ووجد معالي الشيخ نهيان الأمسية مناسبة كي يبعث بتحية إلى روح الشاعر المبدع محمود درويش الذي عبر بصدق عن انتمائه، وعبر عن آمال شعب عانى من الظلم، وعاش القهر، واستطاع أن يتلمس الحرية في عروق شعبه الفلسطيني.
بينما أدت إطلالة الفنان مارسيل على المسرح إلى نبش ذاكرة الحضور، بما يحمله تاريخهم الذي مضى من خلال أغنيات سكنت روحهم، ورافقتهم في أحلامهم حين يتخيلون وطنا جديدا، حيث غنى عن الحرية والوطن، والشهداء الذين رحلوا، والأبطال الصامدين، إنه يستحضر حالات الحنين إلى زمن مر، ويستحضر فاجعة الغياب، لتحضر روح درويش التي تبددت قبل رحيله شعرا، قاده إلى الخلود لأنه كتب عن الناس الحاضرين، والناس القادمين، فللناس أحاسيس تعيش خارج الأزمنة والمبدع وحده هو من يلتقطها.
ومن قصائده غنى واختار لافتتاحية أمسيته « أمر باسمك إذ أخلو إلى نفسي كما يمر دمشقي بأندلس» إنها أولى الأغاني التي بدأ بها الأمسية التي يعتبر أنها تحمل معنا خاصا لأنه كان من المفترض أن يكون فيها درويش لولا غيبه الموت، درويش الذي يعده المغني اللبناني توأم روحه، فشعر درويش كما وصفه خليفة نزل علي كالوحي.
ومن وحي الحب في قصائد الراحل الكبير، غنى خليفة يطير الحمام يحط الحمام، التي قال فيها أعدي لي الأرض كل أستريح.. فأني أحبك حتى التعب.. وهذا المساء ذهب.
بينما غنت أميمة خليل بدون موسيقى «أحبك أكثر» و«جرح قديم» وهي مقطع من قصيدة لدرويش بعنوان «أحمد الزعتر» لتتوالى من بعدها أغان جديدة لمارسيل تشابهت بأنها من شعر درويش مثل و«نحن نحب الحياة» وإن كانت كما قال مارسيل خليفة أن الحياة جميلة أكثر بدرويش، الذي كان يحب أن يسمع لأغنية في البال أغنية التي استحضرها مارسيل في الحفل ممزوجة بذكريات الجمهور الذي غنى معه.
لينتقل من بعدها إلى الاستماع إلى يولا كرياكوس التي غنت آخر قصيدة كتبها درويش وهي بعنوان «تعاليم الحرية»، ويعود مرة أخرى إلى قديم درويش تلك الأغنية التي غناها مارسيل في بدايات مسيرته الفنية التي تعود إلى العام 1972 وهي جواز السفر، عزف مارسيل.
كما في كل أغنياته على العود ورافقه إسماعيل لومانكسي على الكلارينتن ومارك هليلياس على الباص، وبشار خليفة على الآلات الإيقاعية، ورامي خليفة على البيانو الذي أبدع في العزف عليه في فسحة زمنية خلال أجواء أغنية جواز السفر، كان ينقر بأصابعه بخفة ساحر، حازت على إعجاب الحضور إنها الموسيقى التي أصر عليها مارسيل الموسيقى التي توحي بالكلمة والمعنى بدون كلمات.
وما بين قصيدة مغناة وأخرى استحضر مارسيل خليفة أجواء شعر درويش الذي رحل يوم 9 أغسطس الماضي، رحل كما يليق بالمبدعين أن يرحلوا رحل منتصبا كسنابل القمح، رحل وأجندته مليئة بالمواعيد، لكن الموت يوقف من مثله عن العطاء، لكن لن يوقفه على الاستمرار بما قدمه، فهو كما قال أحدهم قد تجاوز مرحلة الموت.
أبوظبي ـ عبير يونس
