لا تجد أحدا سلك طريق الجريمة إلا وكانت مقدمات شخصيته ترجع إلى الأسرة، إما تقليدا وإما إغضاء وإما تشجيعا..!
فمثلا نزعة وشهوة أكل أموال الناس بالباطل لا يمكن أن تأتي فجأة أو دون مقدمات وبوادر من الصغر، فمثلا النبي ؟ صلى الله عليه وسلم ؟ في بيته رأى الحسن بن علي ؟ رضي الله عنه ؟ يمسك بتمرة من تمر الصدقة، ويضعها في فمه، فأسرع بضربه على يده وأخرجها من فمه قائلا: «كخ كخ، إن هذا من أقذار الناس لا تحل لنا» وهكذا وضع الأساس للتحرز من الحرام، وأبرز في وجهه غضبة الحريص على إنقاذ أولاده من النار، ومن ثم ينطبع على الوجدان الصغير مخافة الحرام وأكل أموال الناس بالباطل.
ومن هنا يتوجب على الوالدين أن يحرصا كل الحرص على تحذير الأولاد من الجرأة على حقوق الغير وذكر عقوبة ذلك في الدنيا والآخرة، وعقوبة الدنيا وإن كانت لا تطبق لتعطيل تنفيذ هذه الأحكام والحدود الإلهية، أو بمهارة الدفاع والمعارضة وفي عصرنا شطارة المحامين، إلا أنه بمجرد أن تثبت التهمة يسقط اعتبار الإنسان بين أهل مجتمعه، وتنطبع على جبهته آيات الاستخزاء والانكسار حتى لو نجا من العقوبة، التي لا يحتاج إليها أهل الإيمان، لأن المؤمن وحده هو الذي لا يضني بنفسه أبدا عن تطهير نفسه من أثر ضعفه وسقوطه.
كما أتى النبي «صلى الله عليه وسلم» بعض الذين ضعفت عزائمهم فاقترفوا بعض الكبائر يطلبون تطهير أنفسهم من اثر سقطتهم وضعفهم دون أن يقبض عليهم أحد أو يدل عليهم أحد، وغير خاف أو مستنكر أن الإيمان بالقلب هو الذي يمنع من السقوط، وليس القانون، فإن التحايل على القوانين سهل ميسور، ولكن الإيمان بما فيه من مراقبة الله هو الذي يمنع، وهو الذي يحول بين الإنسان والسقوط، وما مثل الفتاة التي رفضت خلط اللبن بالماء لأن الله يراها وليس لأن أمير المؤمنين قد يراها منا ببعيد.
بل يعرفها القاصي والداني، أو الراعي الذي رفض أن يبيع عنزا لعمر بن الخطاب، فيقول له: إنني لست مالكا لهذه الغنم. فيقول له: قل لسيدك إن الذئب أكلها، فيرد عليه بقوله: فأين الله، مما جعل عمر بن الخطاب يبكي قائلا: لقد قال فأين الله».. ويسعى حتى يتم تحرير هذا الغلام من الرق، قائلا: لقد حررتك هذه الكلمة في الدنيا، وأرجو أن تحررك في الآخرة من النار.
ولا ريب أن غرس الخوف من الله منذ الصغر هو الذي ينفر النفس من الركون إلى الحرام في الكبر، ورفع الإسلام لائحة العقوبات فوق رؤوس الكافة، لا تمييز ولا انتقاء ولا إعفاء لأحد من العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، وفي الدنيا عقوبات ظاهرة وأخرى باطنة، لا يعلمها كثير من الناس، ذلك أن قصاصا إلهيا يتم يقول عنه مبدأ الميزان الإلهي: «كما تدين تدان، وبالكيل الذي تكيل به يكال لك»..
فضلا عن قوله: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله له العقوبة في الدنيا من البغي وقطيعة الرحم».. ولو علم آكل أموال الغير بالباطل أنه ستطبق عليه عقوبة البغي من قطع يده، لفضل بقاء يده على أموال العالم كله، لكن دافعه إلى الجريمة هو دائما هاجس القدرة على الإفلات من العقوبة، ولو علم أنه بارتكابه الجريمة يخرب كيانه هو أولا، دافعا به إلى النار.
إذ قد جاء في الحديث: «كل لحم نبت من حرام فالنار أولى به».. وفي إحدى الغزوات التي انتصر فيها المسلمون مع النبي؟ صلى الله عليه وسلم؟ تفقد المسلمون شهداءهم، وجاؤوا إلى النبي «صلى الله عليه وسلم» يقولون: فلان شهيد وفلان شهيد وفلان شهيد، حتى جاءوا على ذكر أحدهم، فقال النبي «صلى الله عليه وسلم»: «لا والذي نفسي بيده إن الشملة التي غلها لتشتعل عليه نارا»..
فإذا كانت شملة أفسدت على الشهيد شهادته، وعذبته في النار، وربما لو كان انتظر ولم يغلل، كانت من نصيبه هي وغيرها، لكن النزعة التي غالبته حتى سولت له الاستئثار بها وعدم الإفصاح عن وجودها عنده، وهكذا هوت به نفسه في النار.
علي عيد
