هي فتاة تبلغ من العمر (22) عاماً، شقراء الشعر بيضاء البشرة كأنها قطعة من ثلج سيبيريا، عيناها زرقاويتان، أما جسمها فهو من الانسجام بحيث أطلق عليه الجميع اسم (zero size)، وهذا النوع من الأجسام لا تعرفه إلا عارضات الأزياء، حيث أنهن جميعاً يتنافسن للحصول على هذا اللقب.
حياة البذخ
كان كل من يراها في ردهات الفندق النجوم الخمس أو النجوم السبع يطلق عليها اسم الحسناء، ولعل هذا الاسم هو اقرب ما يكون إلى الواقع.
كانت الحسناء تدير مكتباً عقارياً، ورغم أن المكتب كان يتقاضى عمولة كبيرة للغاية، إلا أن الأثرياء كانوا لا يترددون في التعامل معه من أجل عيون الحسناء.
أما عملاء المكتب فهم من أصحاب الملايين بل المليارات من التجار ولاعبي الكرة المشهورين ونجوم السينما العالمية، أو رؤساء وزراء أو رؤساء دول سابقين يريدون أن يتركوا بلادهم ويستقروا في مكان هادئ، لذا كان عملاؤها من الصفوة أو مما يطلع عليهم اسم (vips).
ومع أن لغة الحسناء الإنجليزية لم تكن قوية إلا أنها كانت قادرة على عقد أية صفقة وتمريرها بالطريقة التي تريدها، وكان العميل يقبل ما تقوله أو تمليه عليه الحسناء لعله يحظيفي النهاية بسهرة معها.
كانت مقابلة الحسناء صعبة حتى عملائها من الأثرياء فقبل المقابلة الشخصية على الثري أن يترك جميع المعلومات التي تخصه ونوع العقار الذي يريد شراءه وتحديد مساحته ورقم هاتفه المتحرك والمبلغ الذي يريد دفعه، إضافة إلى الاسم والعنوان.. الخ، حيث يدوّن ذلك عبر الإنترنت على موقع المكتب العقاري وبعد دراسة الطلب يتم الاتصال بالعميل، حيث يعرض عليه العقار والسعر النهائي والإجمالي له.
كانت إحدى سكرتيرات الحسناء هي التي تقوم بذلك وعندما يتم شراء العقار كانت العادة أن يقيم المكتب العقاري حفلة خاصة للعميل في فندق سبع نجوم ويكون هو ضيف الشرف لهذه الحفلة التي كانت تغطيها بعض الصحف والمجلات الأجنبية المتخصصة في عالم الأعمال فتكون الحفلة بذلك نوعاً من الدعاية للمكتب إضافة إلى تكريم العميل الذي دفع الملايين.
أخذت الحسناء تتألق في عالم التجارة حتى أن إحدى المجلات المتخصصة في الاقتصاد وضعت صورتها ثلاث مرات على غلافها الخارجي في أقل من عام، وكانت صورتها وهي مع أحد نجوم هوليوود المعروفين، ومع لاعب كرة عالمي ترك أسبانيا وانتقل للعيش في مدينة لوس أنجلوس تملأ النشرات والمجلات الاقتصادية لذا أصبحت هي الأخرى لا تقل نجومية من عملائها النجوم سواء في عالم المال والأعمال أو الرياضة والتمثيل.
أما حياتها فقد كانت حياة بذخ لا يوصف، كيف لا وهي تكسب الملايين من الدولارات دون جهد يذكر.
صدمة كبيرة
في أحد الأيام تلقى الضابط المناوب اتصالاً هاتفياً من فندق معروف مفاده أن إحدى النساء وجدت مقتولة في جناحها الخاص بالفندق.
أسرع الضابط إلى مسرح الجريمة وكان يرافقه عدد من ضباط المختبر الجنائي وفنيي البصمة حيث تم تصوير غرفة النوم والحمام في الجناح الذي وقعت فيه الجريمة، كما تم رفع البصمات عن كل قطعة أثاث في الجناح كاملاً.
كان واضحاً أن هناك عنفاً وأن الضحية الحسناء قبل أن تموت قاومت بكل قوتها إلا أن الفاعل كان عنيفاً في فعله.
كان ضباط المختبر الجنائي يبحثون جاهدين عن أي أثر للقاتل مثل شعرة أو بقعة دم أو قطعة من جلده تحت أظافر الحسناء لكنهم لم يجدوا شيئاً من هذا.
تم استخدام بخاخ الـ Teme noil على كل الجناح الذي كانت تشغله الحسناء وأخيراً وجد أفراد البحث الجنائي ضالتهم وهي أن القاتل قام بإزالة بعض قطرات من الدماء عن أرض الحمام بإلقاء الماء عليها إلا أن البقع التي تركتها قطرات الدماء لم تزل كلياً، إضافة إلى ذلك فإن بخاخ الـ Teme noil قادر على كشف بقع الدماء عن الملابس أو الجدران أو الأرض حتى لو تم غسلها بشكل كامل وهذا الأمر يعرفه كل من يعمل في المختبرات الجنائية المتطورة.
أخذت الأجهزة الأمنية هذه الأدلة، كما قام الأطباء في المختبر الجنائي بفحص جثة الحسناء، حيث تبين أنها تعرضت لضربة قوية على الرأس من أداة صلبة، ما أدى إلى نزيف في الدماغ، إضافة إلى ضربة بآلة حادة على أحد أصابع يدها اليسرى، حيث كانت تضع خاتماً، ما أدى إلى نزيف داخلي في الاصبع وتورمه.
استدعت الأجهزة الأمنية السكرتيرة الخاصة بالحسناء وطلبت منها أن تعطي الشرطة معلومات عن القتيلة وعلاقاتها، لعل ذلك يفيد في مجرى التحقيق.
كانت السكرتيرة متعاونة جداً، ويبدو عليها التأثر والحزن، فقد خسرت بموت الحسناء وظيفة كانت تدر عليها الكثير، حيث قالت في إفادتها إن من عادة الحسناء بعد التوقيع على بيع العقار وأخذ نسبتها من المشتري، كانت تُقيم حفلة خاصة للمشتري الذي هو عادة من كبار الشخصيات العالمية، وكانت تقضي معه السهرة في جناح خاص في فندق كبير، وعند الصباح كانت الحسناء تتصل بها لتدوين بعض الملاحظات حول العمل وحول الشخص الذي قضى معها الليلة في الفندق.
وأضافت أنها كانت تضع المعلومات الخاصة بكبار الشخصيات الذين يسهرون معها على كمبيوترها الخاص (اللابتوب)، وعندما سألها الضابط أين تضع هذا الكمبيوتر، أجابت السكرتيرة بأنها في خزانة مكتبها. تمّ استصدار أمر من الجهات المختصة بتفتيش خزانة مكتب الحسناء، خاصة كمبيوترها الشخصي (اللابتوب).
أشياء لا تصدّق
عند الكشف على الكمبيوتر المحمول، وجد المختبر الجنائي أشياء لا تصدّق، فقد كانت الحسناء قد خصصت ملفاً لكل عميل من عملائها، وكان الملف يحتوي على أدق الخصوصيات له، حتى وجود شامة في بطن أحدهم أشارت إليها، إضافة إلى ذلك فقد كانت تمتلك معلومات مهمة عن عدد من الشركات الكبرى وعن مديريها وعن العقود التي تبرمها تلك الشركات، خاصة العقود التي تتم فيما وراء البحار، ليس هذا فقط، بل كان لها علاقات مشبوهة بتجار الأموال والمخدرات.
من خلال هذه المعطيات، بدأت تظهر أدلة جديدة وهي أن وراء هذه الجريمة عصابة كبيرة، وأن «الحسناء» كانت تعمل مع العصابة مقابل مبالغ مالية كبيرة، وأنها كانت تستغل جمالها من أجل الحصول على معلومات عن بعض الشركات وعقودها الخارجية.
كما بدا واضحاً أيضاً أنها كانت تبتز عملاءها بعد الليلة الصاخبة التي كان تعيشها معهم لتحصل على معلومات قد تفيد العصابة التي تعمل معها.
في الوقت الذي بدأت فيه الأجهزة الأمنية في البحث والتحري عن الأشخاص الذين كانت أسماؤهم في الكمبيوتر المحمول للحسناء، كانت جهات أخرى تحاول استصدار قرارات لملاحقة عملاء الحسناء الذين كانوا ينتشرون في قارتي أوروبا وأميركا. كانت مسألة الوصول إلى هؤلاء الأشخاص صعبة للغاية رغم أن أرقام هواتفهم وعناوينهم كانت موجودة على جهاز كمبيوتر، إلا أن ثقلهم المالي والاجتماعي كان حائلاً كبيراً دون مساءلتهم، خاصة وأنه لا توجد تهمة مباشرة لهم.
بعد مشاورات ومداولات على أعلى المستويات، تم الاتفاق على معرفة آخر شخص كانت معه من هؤلاء الشخصيات المهمة، ومن ثمّ استجوابه. وعند سؤال السكرتيرة الخاصة بالحسناء، قالت إن آخر شخص سهرت معه الحسناء قبل مصرعها هو تاجر ألماس أوروبي، وأنه معروف جداً لدى نجمات هوليوود وملكات وأميرات العالم، حيث إنه متخصص في صناعة الخواتم، وهو عندما يصنع خاتماً لملكة أو نجمة أو أميرة، فإنه يصنع خاتماً واحداً فقط ولا يكرر صناعة هذا الخاتم لأي شخصية نسائية أخرى مهما دفعت له من مال وذلك كي تبقى هي إنسانة متميزة في خاتمها.
وأضافت السكرتيرة بان الخاتم الذي تلبسه الحسناء في أصبعها يبلغ ثمنه (180) ألف دولار وقد أهداه لها تاجر الألماس وصنعه خصيصا لها.
كان المختبر الجنائي قد أخرج الخاتم من إصبع الحسناء واحتفظ به كما هي العادة حتى تكتمل إجراءات التحقيق، لذا طلب الضابط الذي يحقق في القضية من المختبر إجراء المزيد من الدراسات على الخاتم حيث تبين أنه صنع في دولة أوروبية وان الخاتم يحمل حرفين هما لاسم الشخص الذي صنعه إضافة إلى اسم عائلته كما أنه مكتوب على الخاتم أيضا اسم المصنع وتاريخ الصنع حيث تبين أن تاريخ الصنع كان قبل أسبوع فقط من الجريمة وبالرجوع إلى ملفات المطار تبين أيضا أن تاجر الألماس دخل المطار قبل (24) ساعة من ارتكاب الجريمة.
أصبح الهدف لرجال الأمن أن يقبضوا على التاجر ويحققوا معه، لكن ذلك لم يكن ممكنا لأنه قد عاد إلى بلاده كما أنه من المستحيل طلبه عن طريق «الانتربول» لأنه لا توجد تهمة ضده، فالمسألة مجرد تخمين فقط، ولكون المختبر الجنائي يحتفظ بالحامض النووي (DNA) لبقية بقعة الدم التي وجدها في مسرح الجريمة فان مجرد أخذ عينة من لعاب التاجر أو من جزء من شعرة له أو جزء من أظفره كفيلا بان يدينه أو أن يبرئ ساحته.
في يوم التقى الضابط المسؤول عن متابعة حيثيات الجريمة بالسكرتيرة وطلب منها أن كان هناك اية آثار مادية لتاجر الألماس لأن الشكوك كلها تدور حوله كما أنه آخر شخص زارها، لكن السكرتيرة أجابت بالنفي قائلة إنها على استعداد لأن تسافر إلى بلاد التاجر وتذهب لزيارته وتتودد إليه حتى تحصل على شعرة منه أو على أعقاب سجائره حتى يتم تحليل ذلك ومقارنته بالحامض النووي (DNA) لبقعة الدم، إلا أن الضابط طلب منها أن تتريث حتى يستشير المسؤولين.
مكالمة غيرت كل شيء
كانت جميع هواتف المكتب العقاري الخاص بالحسناء مراقبة من أجل إجراءات التحقيق، وفي يوم دارت محادثة بين السكرتيرة وبعثة أجنبية، كانت السكرتيرة تقول «أسمع يا جاك لن أتنازل عن الخاتم فحسب الاتفاق فهو لي، وعلى الطرف الآخر رد جاك قائلا سأتدبر الأمر ولكن أحضري ما طلبته منك أولا.
في أثناء خروج السكرتيرة من المكتب تم اعتقالها وأخذ هاتفها النقال حتى لا تتصل بأحد وفي غرفة التحقيق طلب منها الضابط تفسيراً للمكالمة، ارتبكت لكنها تمالكت نفسها وقالت إنها مكالمة شخصية من صديق.
قال لها الضابط أنت متورطة في عملية قتل الحسناء، وكذلك الشخصية المهمة »جاك«، فإما أن تعترفي وأساعدك والا سيكون السجن مصيرك وعندها لن يساعدك أحد، كما قال لها الضابط أن تسمح له بتفتيش حقيبة يدها، الا أن السكرتيرة رفضت ذلك عندها أخذ الضابط الحقيبة وقلبها على مكتبه حيث وجد فيها قرصاً مدمجاً (C.D) وضع الضابط القرص في الكمبيوتر فشاهد الحسناء في مواقف ساخنة جداً مع رجل وعندما سألها الضابط عنه قالت بأنه جاك.
استغرب الضابط ذلك وقال هل أنت متأكدة، فقالت الفيلم أمامك، فقد كانت الحسناء تحرص على أن تصور أي لقاء عاطفي مع أي شخصية مهمة حتى تبتزه متى شاءت وجاك شخصية أكثر من مهمة.
قال لها الضابط اعترفي بكل شيء مقابل وعد بأن أساعدك.
قالت السكرتيرة بأن جاك كان أحد الأشخاص المهمين الذين تعرفهم الحسناء، وبحكم منصبه السياسي الكبير في بعثة بلاده كان يعرف تذبذبات الأسواق العالمية خاصة في السلع الاستراتيجية.
وفي يوم طلب الأشخاص الذين تعمل معهم الحسناء أن تتقصى من جاك عن المدى الذي ستستمر فيه (سلعة استراتيجية) بالارتفاع، فهذه السلعة لم تسجل في تاريخها مثل هذا السعر القياسي.
وأضافت السكرتيرة بأن الحسناء طلبت من جاك أن يأتي لزيارتها في جناحها الخاص بالفندق، وكان جاك في العادة يحضر مختفياً ولا يكشف عن شخصيته لأحد، وعندما حضر إليها طلبت منه أن يقول لها إلى أي مدى ستستمر هذه السلعة الاستراتيجية في الارتفاع لكن جاك رفض ذلك قائلاً إن هذه الأسرار ترتقي إلى الأسرار العسكرية، إلا أن الحسناء أصرت على طلبها.
وعندما رفض جاك طلبها مجدداً قالت له سأجبرك على ذلك وقامت بعرض فيلم لها وله في نفس الجناح في لقاء سابق، وقالت السكرتيرة بأن جاك عندما شاهد الفيلم كاد أن يُجن وحاول أخذ الكمبيوتر المحمول الخاص بالحسناء، إلا أن الحسناء أفهمته بأن ذلك لا يجدي نفعاً لأنها عادة تحتفظ بنسخة من هذه الأفلام في مكان آخر وآمن، لذا بدأ جاك يفكر بطريقة أخرى حيث عرض عليها أن تعطيه ما لديها من نسخ من هذه الأفلام مقابل المعلومات التي تريدها عن تلك السلعة الاستراتيجية التي باتت تتحكم في اقتصاد العالم.
وأضافت السكرتيرة بأن جاك اتصل بي في اليوم الثاني وعرض عليّ مبلغ 10 آلاف دولار مقابل إعطائه الأفلام إلا أنني رفضت وبقي يعرض علي زيادة المبلغ حتى وصل إلى 50 ألف دولار إلا أنني قلت له إنني سأعطيه الأفلام مقابل الخاتم الذي تلبسه الحسناء والذي يبلغ ثمنه ؟؟؟ ألف دولار، وهنا وافق جاك وبدأ يخطط لأخذ الخاتم.
وأشارت إلى أن جاك كانت لديه خطة لأخذ الخاتم وهي أنه وضع مخدراً على ظرف رسالة وبالتحديد على الجزء الموضوع عليه الصمغ في الظرف وعندما قابلها في جناحها قال لها لقد وضعت جميع المعلومات التي تريدينها عن السلعة الاستراتيجية في ورقة وهي موجودة داخل هذا الظرف، وقال لها أيضاً لا أريدك أن تفتحيه الآن بل أريدك أن تغلقي الظرف أمامي حتى أتأكد بأنك لن تفتحيه وأنا معك لأنه من المفروض أن نستمتع بوقتنا معاً.
وعندما قالت له الحسناء ربما لا يحتوي الظرف على المعلومات التي أريدها قال لها إن لم تكن كذلك فلا تعطيني الأفلام فأنا لا أريد هذه الأفلام الليلة بل الليلة المقبلة، وطلب منها أن تغلق الظرف وهنا قامت الحسناء بوضع لسانها على الظرف حتى تبلل الصمغ لكنها بدلاً من ذلك امتص لسانها المخدر، وهنا قام جاك بمحاولة أخذ الخاتم من إصبعها، لكنها على ما يبدو لم تكن مخدرة بشكل كامل.
حيث بدأت تقاوم وهنا قام جاك بضربها ومحاولة خنقها لكنها هربت منه إلى الحمام تريد غسل وجهها حتى تفيق، فما كان منه إلا أن ضرب رأسها بزجاجة مشروب سقطت بعدها ميتة.
حيث نزفت من أنفها بعض قطرات من الدم. وقالت: حاول جاك إخراج الخاتم من إصبعها إلا أنه على ما يبدو لم يتمكن حيث كان خائفاً ومرتبكاً لأن الخاتم يمثل له الأمل في أن أعطيه نسخ الأفلام التي صورتها الحسناء له من أجل أن تبتزه.
تمت إحالة السكرتيرة إلى النيابة، أما جاك فإن قصة مثوله أمام الشرطة وأخذ أقواله لها مغامرة أخرى.
إعداد ـ أحمد سلطان
