تعود بي الذاكرة إلى الوراء، إلى بداية السبعينات.. في البدء كان الطريق صعبا شائكا وعراً، بعيداً لا استطيع الوصول إليه، تكثر فيه الأسرار والعجائب والمشاكل التي لا تحصى.. من أين لي أن أعين نفسي على التخطي بسلام، كان الطريق ملغماً لا أدري كيف أقطعه..
هكذا وبعد مدة تساوي عمر شاب دفعته سنه إلى فهم معنى الحياة، فمرّ من مرّ على الطريق الصعب الشائك دون أن تنفجر الألغام، ومر من مر وفي الزاد حصيلة تخلده.
إنها مجموعة من الإبداعات جمعت بين دفتي كتاب على الأقل، انه هذا الحلم المار على الطريق في بداية السبعينات فإذا هو حقيقة بعد تعدي الصعاب، مهما كانت ظروفها ومهما كانت أشواكها ومهما كانت عذاباتها.
كنا نلتقي هدفنا واضح دون يأس نبحث بحلاوة عن ممر، عن صفحة جريدة عن قناة تمر منها المحاولات.
وكان هذا كله مبعثا للإنتاج الجيد الذي يفرض نفسه ومن هنا أفرزت تلك الحقبة أدبا متقدما رغم أنّا نسميها مرحلة تكوين الوعي.
لقد أتى هذا العابر للطريق مثل معظم رفاقه من الريف النقي، الذي هو علم الأديب الأصيل وهذا ما حصل بالفعل بالنسبة إليه عندما كانت الثورة الزراعية في بدايتها الأولى، حيث أبدع في تناولها لأنه من أبناء الأرض الحقيقيين قبل كل شيء!
واليوم ماذا بعد؟
فبعد أن تعدى المار كل الصعاب واستولى على المنابر الثقافية، فأصبحت الصفحات مفتوحة، فإذا هو المتحكم فيها في بعض الأحيان غاب عنه التلهف الحالم، غاب عنه الهدف وفي الأخير تشتت أصدقاء الكلمة، فلم يجمعهم غياب النقد وزاد في تفرقهم عدم توفر أي ناد يأوون إليه .
كثر غيابهم عن بعضهم لأسباب موضوعية وغير موضوعية، ومتى ينتهي هذا التشتت؟
ما زال عالقا بذهني ذلك اليوم الذي تعرفت فيه على شاب كان يريد اقتحام الطريق الصعب الجميل، غادر الريف وقصد المدينة، قبل ذلك تعرفت إليه من خلال ما كتب أي أن الاتصال الحراري لم يتم إلا في هذا اليوم .
كان يبدو غريبا داخل الرقعة جاء ليبحث كأي مار، عبر ذلك الطريق عن الأوكسجين الضروري له، واللازم لكل أديب.
كان متحمسا لما كتب يريد معرفة رأي الغير في إنتاجه المنشور عبر بعض صفحات الجرائد والتي لا يتعدى عددها عدد الأصابع.
شاب أديب لا ينمحي اليوم الذي تعرفت فيه عليه من ذكرياتي قط، زرته في بيته في قرية رقيقة رقة شعره، تنشر أشجار الصنوبر رائحتها عبر مداخلها، عرفته هو الآخر في الأول عبر قصائده الحديثة، فكان رمزا للحداثة التي لقيت آنذاك عداءً كبيرا ؟
اخذ هذا الشاب من البداوة الطيبة وعشق الطبيعة ومن التحضر التفتح وسعة الاطلاع، كان يتجول بقصائده العديدة باحثا عن تشجيع ما، لعله يتمكن من نشر إحدى هذه القصائد، أو كتابة كلمة حولها أو.. أو..
واليوم هاهي في حوزة الأول عدة كتب، وفي حوزة الثاني عدة كتب والثالث....
ها هم قد تعدوا الطريق الصعب الجميل، ابتلعتهم المدينة القاتلة، فطلقوا الحياة الموحية الباعثة للكثير من المبدعين مبتعدين ببطء عن النسمة وموسيقى العصافير.
عبدالرحمن الوهيبي
