نظم مركز شؤون الإعلام أمس ندوة «زايد الخالد» بمشاركة نخبة من الخبراء والباحثين.. بمناسبة الذكرى الرابعة لرحيل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله.
وتضمنت الندوة عرضا لصور نادرة للفقيد الراحل الذي طبعت سيرته العطرة كل مراحل تأسيس الدولة وبنائها وتداخلت لحظات حياته الثرية بما حباه الله من حكمة وما قيض له من مهارة واستطاع أن يرسي نهضة تنموية شاملة على ربوع الوطن بعزيمته وقراراته المصيرية وانطلاقه في بناء دولة الاتحاد وتوطيد دعائمها لتتمكن من مواكبة التحولات العالمية ولتعطي المثال الأهم في التجربة الوحدوية حتى صار القدوة الساطعة للقائد الذي تخطى حدود الوطن..
وامتد إلى سائر الدول العربية والإسلامية والصديقة، بالتعاون البناء والمشاركة في إقامة علاقات عديدة في كافة المجالات من خلال العطاء الإنساني والتنموي النابع من إحساس بالواجب الأخلاقي تجاه الدول الشقيقة والصديقة.
زايد.. رؤية حصيفة لبناء الإنسان
لقد كانت للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، قناعة ثابتة بأن الإنسان بقدراته العلمية والجسدية هو رأس المال الأساسي للتنمية والتطوير لذا عمل جاهدا على إعلاء كرامته الإنسانية والارتقاء بخبراته الحياتية سواء في وطنه أو خارجه.. انطلاقا من إدراكه الواعي بأن الشعوب لا يمكن أن تغير من واقعها أو تسير قدما نحو التقدم والتطور إلا بإنسانها المسلح بالعلم والذي يعد السبيل الأمثل للتنمية على اختلاف محاورها وتنوع غاياتها..
وتأكيدا لهذا الفهم المستنير كان يردد دائما أن «الثروة الحقيقية هي ثروة الرجال وليس المال والنفط ولا فائدة في المال إذا لم يسخر لخدمة الشعب»، وينبه إلى أنه «لا تنمية للقدرة المادية بدون أن تكون هناك ثروة بشرية وكوادر وطنية مؤهلة وقادرة على بناء الوطن».
وظل المواطن في نهج الشيخ زايد، هو وسيلة وغاية في الوقت نفسه وترسيخا لهذا المنظور الجوهري سارت كافة أجهزة الدولة نحو ذات الاتجاه متضافرة في جهود آلياتها وبناها التحتية والتنظيمية لبناء إنسان قادر على التعاطي مع مسارات التنمية الحقيقية وأيضا مسايرة مستجداتها واجتياز عقباتها.
وتحديدا للقواعد الأساسية لإستراتيجية وسياسات الدولة في بناء الإنسان قال الشيخ زايد رحمه الله في الثالث عشر من فبراير 1972م: «إن دستور البلاد نص على مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية وتوفير الأمن والطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين والتضامن والتراحم واعتبار الأسرة أساس المجتمع قوامها الدين والأخلاق وحب الوطن ورعاية الطفولة والأمومة وحماية القصر وغيرهم من الأشخاص العاجزين».
حقا أدرك زايد الخير أن بناء الإنسان يجب أن يسبق بناء المصانع، وأن الإنسان، وليس المال، هو أهم أدوات التنمية ولا فائدة في المال إذا لم يسخر في بناء الإنسان.
ولذلك لم يكن غريبا أن يسخر ثروة البلاد ليحقق هذا الهدف القومي الذي تتفرع عنه كافة الأهداف القومية الأخرى، فكان التوسع الهائل في إنشاء المدارس والمعاهد والجامعات ومراكز الأبحاث وكان إيفاد البعثات العلمية للخارج واستضافة المؤتمرات والندوات ورعاية العلماء. وحتى كبار السن ممن فاتهم قطار التعليم لم يسقطهم زايد من حساباته بل وفر لهم كافة السبل لتعويض ما فاتهم واللحاق بركب التطور والحضارة.
زايد.. تدين وورع
جسد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وطيب ثراه قولا وعملا عظمة الدين الإسلامي الحنيف بمبادئه القويمة وتعاليمه السمحة فأعطى بإيمانه العميق بوحدانية الله سبحانه وتعالى، وبمكارم الأخلاق التي اتصف بها صورة مشرقة للمسلم الحق الذي يراقب المولى عز وجل في كافة أفعاله وتصرفاته، ويبتغي وجهه وحده تبارك شأنه في سائر أعماله ما أخفى منها وما أعلن.
فكل جملة ينطق بها يبدأها ويختمها بأحكام المولى عز وجل، وكل عمل يقدم عليه يخضعه لمشيئة الله وقدرته، وكل فضل ينسبه إلى رضا الخالق..
هذا هو الشيخ زايد الذي ترعرع منذ أيامه الأولى على أصول الدين وحفظ محكم التنزيل وجعل من القرآن الكريم سياجا لحياته ونبعا لفكره.
زايد.. عطاء إنساني متدفق
نبع فهم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وطيب ثراه للعمل الإنساني والخيري من ثقافته الإسلامية الأصيلة ومن قيم عروبته ووعيه بأن المحبة والسلام لا يمكن أن تنتشر في هذا العالم إلا بتكافؤ الفرص وبالعدالة الاجتماعية التي تتيح للناس كافة الحياة الكريمة ومن أساسها الحق في الحياة والسكن والصحة والتعليم.. وهي المبادئ التي نص عليها الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي استوعب زايد مضامينه قبل صدوره لأنه كامن في تعاليم الدين الإسلامي التي تربى عليها ونشأ وفي القرآن الكريم الذي سار زايد وفق منهجه بقوله تعالى: «الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون».
ومن هنا كان زايد الخير رحمه الله الملاذ والملجأ لكل محتاج وتجاوز كرمه حدود وطنه إلى إخوانه في مشارق الأرض ومغاربها يلامس في زياراته واقع الناس، يستشعر معاناتهم وحاجاتهم، ويقدم لهم بأياديه الخيرة الكريمة ما يحتاجونه، فجاءت مشاريع الخير في كل مكان من هذا العالم لتنير المناطق المعتمة، وتكفكف دموع المحتاجين والمحرومين.
زايد.. مواقف تاريخية
ما أكثر المواقف البطولية التاريخية لصاحب السيرة العطرة القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله وطيب ثراه والتي يسطرها التاريخ بأحرف من نور وأسطر من ضياء، ليجد فيها كل متأمل القدوة والعظة وليتمثل القيم الإنسانية النبيلة والصفات القيادية النادرة لهذه الشخصية ذات الصفات الاستثنائية والتي ستظل ملامحها ساطعة بالعظمة والبهاء كجزء مجيد من تاريخ الأمتين العربية والإسلامية.
ولعل في إيراد موقفه أثناء حرب أكتوبر عام 1973م على الجبهتين المصرية والسورية «وهو أحد مواقفه البطولية التاريخية الكثيرة» ما يؤكد وضوح رؤيته رحمه الله وثباته على نهجه العربي والإنساني الأصيل في أحلك الفترات التاريخية التي مرت بها الأمة العربية، والمثال من حديث أورده الكاتب وجيه أبو ذكري، في كتابه ززايد عن قربس وفيه يقول الشيخ زايد رحمه الله متحدثا عن قراره التاريخي بقطع البترول عن الدول المساندة لإسرائيل في الحرب: «عندما بدأت الحرب كنت في لندن.
وفي هذا الوقت لم تكن هناك في إمارة أبوظبي أو الإمارات ككل أية مدخرات مالية سائلة في خزائنها على الإطلاق..
فكل الدخل مستثمر في تنفيذ مشروعات التنمية في الدولة، ووجدت أنه من الواجب علينا أن نساعد مصر وسوريا في هذه الحرب بقدر ما نستطيع، وتشاورت مع من كان معي في ذلك الوقت حول ضرورة أن نساعد مصر وسوريا»، فقالوا: هل طلبت مصر وسوريا منك المساعدة؟ فقلت: لا.. ولكن من واجبنا أن نبادر بالقيام بدورنا ولدعم موقفهم في هذه المعركة التي هي معركتنا جميعا.
وتضيف الصحيفة «لم يكن زايد يملك المال في هذا الوقت فجمع رجال البنوك في إنجلترا وطلب منهم إقراضه المبلغ بضمان البترول.. ولكن البعض تدخل لمنع هذا القرض فلما علم الشيخ زايد بالأمر جمع رجال البنوك وأنذرهم بوقف التعاون معهم إذا لم يتم المطلوب على الفور. وكان له ما أراد».
وتستطرد: «لم يكتف الشيخ زايد بذلك بل اجتمع مع رئيس وزراء بريطانيا وطلب منه تحديد موقف بلاده من المعركة وأوضح له خطورة ما تتعرض له المصالح البريطانية إذا انحاز البريطانيون إلى إسرائيل».
