بلهجة عدوانية قاسية كانت تصرخ فادية بعد عودتها إلى العنبر، تركتها لتهدأ واقتربت منها بعد أن استنفدت صرخاتها كل الدموع.. «ذلك الرجل.. الرجل الذي ارتبطت به سنوات عديدة لم أذق فيها طعم السعادة».
كان الخبر الذي وصل إليها أثناء الزيارة العائلية أنه طلقها اخيرا بعد ان استولى على كل ما تملك من منزل وأثاث وأموال جمعتها بعد رحلة طويلة من الخدمة بإحدى الوزارات.
شعرت بالراحة وبأنها قادرة على تجميع نفسها من جديد وقالت.. ياسر ليس الا ورقة مزقتها ولم اكتف بتمزيقها وإلقائها في سلة المهملات، بل أحرقتها بالنار التي أشعلها في صدري.
استطاع بكل براعة ان يجعل نفسه عدوا لدودا، ان يكون شيئا كريها لا احب تذكره..واكملت فادية بكل مرارة لا تستشعرها الا انثى ذاقت من كأسها .. إنها غلطة الزمان التي تطارد فاعلها. ارتبطت فيه رغم عدم موافقة أهلي.. كان إنسانا جميلا ومميزا تزوجته لحاجة لم احددها ولم اكن في تلك الفترة قادرة على تحديدها، المهم أنني وجدته قد سد ثغرة واسعة في حياتي التعيسة.
ومنذ ان افقت من الغيبوبة تيقنت بأنه رجل غير مناسب فتوجهت اليه بكل صراحة الا ان غروره واستعراضه المبالغ لنفسه أبى أن يصدق انه ليس الرجل المناسب لي...
تتحدث فادية وتلتقط أنفاسها وتتوقف لثوان ثم تسترسل مجددا: حاولت تدارك الأمور وشعرت بجرحه فأخذت عهدا على نفسي ان لا أتعامل معه خارج حدود الإنسانية التي تفرضها علي آدميتي الى حين جعلني انسلخ عنها وأرمي بكل الإنسانيات عرض الحائط .
ليس سهلا أن يجعل أحدنا الآخر يحبه بينما من السهل جدا ان يجعله يكرهه، وهذا ما تفنن فيه ياسر وأدوات مستقرة في ذاتي ترفضه وترفض وجوده ايا يكن شكله.
«نعم كنت أخونه وبكل قواي العقلية سأخونه! لأنه رجل لا يستحق بكل بساطة إلا الخيانة».. هكذا كانت تعترف امامي وامام السجينات بعضهن يعتبرن كلام فادية وقاحة، اما انا فأنظر اليها نظرة اكبار اذ يكفي انها متصالحة مع نفسها.
تحدثت فادية بنبرة عدوانية شديدة وكانت تضغط بفكيها على حرف الخاء أرادت ان تقول اشياء كثيرة بهذه العبارات الصغيرة ...فاحترمتها فهي من القلائل في العنبر اللواتي يعترفن بما فعلن.
سميرة تقطن الزنزانة منذ أكثر من ست سنوات لجريمة قتل اقترفتها بحق الرجل الذي سلخ عنها آدميتها وألقى بها خارج دائرة الإنسانية.
هذا الشبح المخيف الذي يطارد السعادة ليس له الا الموت، هذا ما دار في ذهني وأنا اصارع الهم والألم والبلاء الذي أعيشه بين قصص السجينات كل يوم.
رجل يبتلي كل يوم امرأة ورجال يعتقدون ان الرفض يستدعي دفاعا عن الرجولة، مع ان الرجولة الحقيقية لا يتم البحث عنها بتعاسة الآخرين وإقلاقهم، الرجولة الحقيقية في عزة الرجل وكرامته وأن يحفظ هذه الكرامة، أن يستردها لنفسه فترتد إليه رجولته، في حين أن نوعاً آخر من الرجال لا يدركون لكل ذلك معنى فهم شهوانيون ورغبتهم المبالغة في تملك الآخرين لا يملكون امامها شيئا ولذلك فهم يدوسون كل القيم والمبادئ حتى تحتقرهم الأنثى وتزداد لهم احتقارا، حتى تحتقن كرها لا يفرغ برصاص بندقية ولا بنيران فادية وسميرة.
فكل الوسائل استنفدتها فادية مع ياسر فلا فائدة من رجل ماتت فيه القيم الأساسية لمكونات الإنسان . أنفاسه تجثم على صدرها، سمعت تفاصيلها واضحة، وهي تروي لي يوميات لا تنتهي وعشت مع كل هذه التفاصيل حتى شعرت بلهاث أنفاسه في أذني صاخبة ألمس فيها حدة الأنا وغياب الأمل.
عبدالرحمن الوهيبي
