تمر اليوم «الأحد» الذكرى الرابعة لرحيل فقيد الوطن والأمة مؤسس الدولة وباني نهضتها الحديثة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الذي ترك لوطنه وشعبه ميراثاً ضخماً من الإنجازات التي ستظل شواهد خالدة على مر التاريخ.

وقد كان الراحل الكبير نموذجاً متفرداً في نهج الحكم والقيادة، وعطاءً سخياً في بناء الوطن والمواطن، ونهراً متدفقاً بالخير في خدمة الإنسانية جمعاء. لقد انتقل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، إلى جوار ربه في الثاني من نوفمبر 2004 بعد حياة حافلة بالعمل المخلص الدؤوب كرس كل لحظة فيها من أجل بناء تقدم الوطن وازدهاره وتوفير الحياة الكريمة الرغدة للمواطنين.

وحفل سجل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، بصفحات ثرية خالدة من المنجزات الوطنية الباهرة التي سطرها التاريخ بأحرف من نور على مدى نحو ستة عقود من العمل الوطني وذلك منذ تعيينه حاكماً لمدينة العين والمنطقة الشرقية في العام 1946 إلى توليه مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي في السادس من أغسطس 1966 وحتى انتخابه رئيساً للبلاد بعد إعلان اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر عام 1971.

وقد بدأت الشخصية القيادية للشيخ زايد تتبلور وتظهر بجلاء عندما عيِّن حاكماً لمدينة العين والمنطقة الشرقية في بداية الأربعينات، حيث أظهر قدرات كبيرة وكفاءة عالية في إدارة شؤون العين والمناطق التابعة لها وكرّس كل طاقاته وجهوده لخدمة المواطنين وتحسين أحوالهم المعيشية وتقدّم صفوفهم في العمل رغم شحّ الإمكانيات إلى كانت متاحة.

وحظي الشيخ زايد منذ تلك الحقبة بإجماع وولاء رعيته التي أحبته لنهجه الحكيم وحكمته ورؤيته الثاقبة وتواصله وتلاحمه معهم وعدله بينهم. وعندما بايعت أسرة آل نهيان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في السادس من أغسطس 1966 حاكماً لإمارة أبوظبي عمت الفرحة أرجاء البلاد، وأدرك المواطنون أن القدر قد هيأ لهم هذا اليوم ليكونوا على موعد مع انطلاقة مباركة وتحول تاريخي في حياتهم في حاضرهم ومستقبلهم.

وبالفعل أعلن الشيخ زايد منذ اللحظات الأولى لتوليه مقاليد الحكم عزمه على تسخير عائدات الثروات النفطية لبناء تقدم الوطن وتحقيق سعادة المواطنين، مؤكداً «إذا كان الله عز وجل قد منّ علينا بالثروة فإن أول ما نلتزم به لرضاء الله وشكره هو أن نوجّه هذه الثروة لإصلاح البلاد ولسوْق الخير إلى شعبهاِ».

وانطلقت مع تولّيه مسؤوليات الحكم في إمارة أبوظبي عجلة البناء والتعمير في كل مكان تقهر الصعاب وتهزم المستحيل بجهود مخلصة وعزيمة معطاء وإرادة صلبة لقائد نذر نفسه لازدهار وطنه وإسعاد شعبه.

قيام الاتحاد

وحول قيام الاتحاد قال الشيخ زايد «لقد تحققت الأماني بفضل قيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة الذي أسهم كثيراً في تغيير صورة الحياة في هذه الأرض وإنجاز العشرات من المشروعات في شتى المجالات وتحقيق التقدم والازدهار في كل ناحية من النواحي».

وعبّر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، عن ارتياحه ورضاه برسوخ المسيرة الاتحادية واستقرارها وما حققته من منجزات شامخة فقال: «إن ما تنعم به البلاد اليوم من رخاء وأمن واستقرار إنما هو ثمرة الصبر والمثابرة والعمل الدؤوب والجهد المستمر الذي بذلناه.

فما كلت أمام الشدائد عزائمنا ولا وهنت أمام الصعاب إرادتنا ولا احتجبت في الظلمات غاياتنا وأهدافنا في بناء اتحاد شامخ بل ذللنا الصعوبات بإيمان راسخ لا يتزعزع وبتصميم لا يتقهقر وببصيرة وإرادة قوية مهتدين في ذلك كله بمنهاج ديننا الحنيف وسنّة رسوله الكريم».

وأكد أن الثروة ليست ثروة المال بل هي ثروة الرجال فهم القوة الحقيقية التي نعتز بها وهم الزرع الذي نستفيء بظلاله، والقناعة الراسخة بهذه الحقيقة هي التي مكنتنا من توجيه كل الجهود لبناء الإنسان وتسخير الثروات التي من الله بها علينا لخدمة أبناء هذا الوطن حتى ينهضوا بالمسؤوليات الجسام التي تقع على عاتقهم ويكونوا عوناً لنا ولأشقائنا.

وآمن الشيخ زايد بأن الإنسان هو أساس الحضارة ومحور كل تقدم، وقال لقد كنت أردد دائماً عن قناعة قوية ان الإنسان هو أساس الحضارة وان اهتمامنا به ضروري لأنه محور كل تقدم. فمهما أقمنا من منشآت ومدارس ومستشفيات وجسور وغير ذلك فإن كل هذا يبقى كياناً مادياً لا روح فيه لأن روح كل هذا هو الإنسان القادر بفكره وجهده وإيمانه على تحقيق التقدم المنشود، مؤكداً «ان التقدم والنهضة لا تقاس ببنايات من الإسمنت والحديد وإنما ببناء الإنسان وكل ما يسعد المواطن ويوفر له الحياة الكريمة».

ولقد تفرد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بجانب ما تفرّد به من خصائص الزعامة الفذة والقيادة الرشيدة بنهجين متميزين اتسمت بهما قيادته للمسيرة الاتحادية.. وهما الأسلوب المتميز في الممارسة الديمقراطية وتطبيق مبادئ الشورى بين المواطنين وأسلوب القدوة في القيادة الذي يقوم على استنهاض الهمم واستنفار المشاعر الوطنية للرعية للمشاركة الفاعلة في مسؤوليات العمل الوطني. فالقيادة ومسؤوليات الحكم في فكر زايد أمانة عظيمة وبذل مستمر وعطاء سخي في خدمة الرعية.

ولقد استند نهج الشورى عند الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، إلى إيمان راسخ بالعقيدة والقيم الإسلامية حدّده بصورة قاطعة بقوله إن حكم الشورى من عند الله ومن لم يطع الله فهو خاسر. واهتم الشيخ زايد بمشاريع نشر الرقعة الخضراء وزيادة الإنتاج الزراعي لتحسين الظروف المعيشية للمواطنين وكذلك مشاريع ربط المدن الأخرى بشبكة حديثة من الطرق المعبدة والمضاءة بالإضافة إلى تعمير وتطوير الجزر والمناطق النائية ليعيش سكانها عصر النهضة.

المواطن أولاً

وفي حرص بالغ نبع من شغله الشاغل بالمواطن وضرورة تحقيق رفاهيته وإسعاده أكد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، إن دخل المواطن في دولة الإمارات العربية المتحدة يأتي ترتيبه حسب المصادر الدولية بين المركز الأول والثالث على مستوى العالم.

وعلى الرغم من ذلك لا يخلو الوطن من ذوي الدخل المحدود لأنه مهما كان المسؤول على إلمام وإدراك فلا بدّ أن تمرّ عليه أشياء وهو معذور.. وإذا كان هناك محتاج في الوطن فهذا لا يجوز وعلينا كحكام أن نعمل لصالح جميع أبناء الوطن وفي كل أرجائه.

بل إنه ذهب أبعد من ذلك في تأكيد حرصه على تحقيق العدل والمساواة بين رعيته محدداً مسؤولية الحاكم تجاه رعيته بقوله «إن الحاكم هو وصي على شعبه وعليه أن يقوم بواجباته ومسؤولياته ويسخّر كل الثروة التي وهبها الله لهذا الشعب من أجل رفاهيته وسعادته وأمنه واستقراره».

كما أكد الشيخ زايد، رحمه الله، بصورة قاطعة «على ضرورة العمل بحيث يسود العدل والمساواة في المجتمع ولا يسمح بأن تستحوذ الأسر الحاكمة بالثروات ومقدرات الشعوب ويجب أن تتساوى الأسر الحاكمة ولها احترامها الخاص في الواجبات والحقوق والمسؤوليات مع جميع أفراد الشعب.. ويجب أن تكون متساوية مع الجميع وغير مميزة في الحقوق والواجبات والمسؤوليات».

1918 - 2004

ولد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله عام 1918 في أبوظبي وانتقل من أبوظبي إلى العين حيث ترعرع فيها وقضى شبابه الأول فيها لتنعكس حياة الصحراء عليه لتشكل منه شخصية مرموقة.

في السادس من أغسطس عام 1966 بدأت مرحلة جديدة من حياته عندما أصبح حاكما لإمارة أبوظبي لتبدأ نقطة تحول في تاريخه وبدأ ينظر إلى البترول كوسيلة لبناء المجتمع وفي الـ 18 من فبراير 1968 وعند لقاء الشيخ زايد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في (السمحة) تشكلت نواه دولة اتحاد بين الإمارات المتصالحة.

وفي الثاني من ديسمبر عام 1971 كانت بداية الانطلاقة لدولة الإمارات حيث تولى الشيخ زايد رئاسة دولة الإمارات وتم إعلان تأسيس الدولة مع حكام الإمارات في دار الاتحاد بدبي.

وفي ال25 من مايو 1981 ترأس الشيخ زايد أول قمة عربية لتعلن ميلاد مجلس التعاون الخليجي المكون من دول الخليج العربية الست.وللشيخ زايد سجل حافل بالعمل والعطاء في بلاده والبلاد العربية والإسلامية ووصلت خيراته إلى دول عديدة.