تخطفتنا الدروب منذ زمن بعيد وسكنت أرواحنا ضوضاء الرحيل عن المكان مبكراً واستجاب كل منا لنداء بعيد وامتطى صهوة الحلم ومضى.. وحده لم يرفع مرساته، وحده لم يفرد أشرعته رغم عشقه الكبير للجلوس مطولاً على حافة البحر كما كنا نعرف عنه في سنوات العمر الابتدائية.. عانقنا جميعا مودعاً واحداً .. واحداً وافترقنا على كلمة واحدة: »نلتقي قريباً«..

كنا نعرف جميعاً أنه وحيد أبويه ونعي صعوبة غربته عنهم، خاصة وأنهما أنجباه وعمرهما يرقص على إيقاع الخريف الأخير، رحلنا جميعاً عن قريتنا وكل منا في إحدى مساحات غربته قد حفر مكاناً لـ »هشام« وزرع سؤالاً راعفاً: كيف مضى العمر به؟

متأهباً لما سيأتي، وأنه منذور لشيء مهم، كان يقول دائماً، وعلى قناعة أنه سيكون مشهوراً ذات يوم رغم بقائه »وعلى العكس« منهم في بقعة مغمورة، و..وانخرط الجميع في دوامة الحياة، واختار هو أو(بالأحرى) نزولاً عند رغبة والديه دراسة الطب في إحدى الجامعات المحلية.

وكما كان متفوقاً خلال مراحل دراسته السابقة فقد شهدت سنوات الدراسة الجامعية حصوله على درجات متقدمة بما لم يشكل مفاجأة لأحد، وعقب تخرجه افتتح عيادة في القرية وبدأت الحياة بالنسبة له تأخذ دورتها الطبيعية، وكان يفر من سؤال والديه التقليدي »متى سنفرح بك« إلى عمله كذريعة بانشغاله هناك، ما جعل الأب يتجنب طرح السؤال حتى يبقى الى جوارهما لفترة طويلة.

فيما كان عدم إلحاح الأم مرده الى خوفها الشديد من تلك المرأة المجهولة التي ستنتزعه من أحضانها ذات يوم بدأت نذره تلوح في الأفق، وعندما التقيته في أول زيارة لي للقرية بعد أكثر من ستة أعوام من الغربة كان حديثاً ضاجاً بالذكريات التي كان الفرح عنوانها الأبرز.

و لم يغب الحزن عنها عندما حلقت في سماء الذاكرة صورة الصديق »أكرم« الذي رحل كطيف إثر حادث سير قبل حفل تخرجه من الجامعة بأيام قليلة..تحدثنا مطولاً عن أين أصبحت أحلامه بأنه سيكون مشهوراً وذا شأن كبير ذات يوم .. ابتسم مؤكداً أن الحلم لازال يراوده رغم مضي السنين وصغر حجم الوقائع المحيطة التي قد تبقي على هذا الحلم.. حلماً.

الأيام القليلة التي تلت مجيئي الى القرية شهدت حدثاً غير متوقع كان يبدو أنه لن يمر دون أن يترك أثراً بين شبان القرية، حيث عاد الدكتور سليم وعائلته للاستقرار نهائياً بعد رحلة عمل واغتراب دامت سنوات طويلة، وكان الأبرز في هذه العودة هي ابنته صباح التي جعلت من منزل أسرتها مزاراً لجميع الشبان الذين كانوا يجهدون لإيجاد مبرر للزيارة..

الأمر لم يطل بهم على هذا النحو إذ أصبح واضحاً للجميع بعد فترة قصيرة أن القلب الغض قد عاد الى عشه القديم »هشام« حيث كانت تربط بينهما ومنذ طفولتهما المبكرة علاقة خاصة بدأت من الحي، ثم الجلوس الى جانب بعضهما في المدرسة ليستمر الوضع على هذا النحو الى أن غادرت مع أسرتها مخلفة وراءها سؤالاً بعمر الطفولة في ذاكرة »هشام« كبر مع الزمن: متى تعود؟

خرج الجميع من السباق وبقيا وحدهما يرسمان تفاصيل الفرح الآتي وسط سعادة الجميع حتى ممن كان مشاركاً في السباق. غادرت إلى حيث أعمل في دولة الإمارات بعد أن ودعت هشام وعروسه المنتظرة التي تحولت بعد عام على وداعي لهما إلى أم لولده الوحيد »جمال« كما علمت من عائلتي..

وعلى نحو مفاجئ عاد »هشام« الى واجهة الذاكرة بقوة عندما طار الخبر الحزين الى كافة البقاع مؤكداً وفاة صباح وابنها اثر حادث سير وإصابة هشام بجراح خطرة شفي منها بعد أشهر طويلة.. شفي الجسد وبقيت جراح القلب راعفة.

وتحقق حلم هشام بأنه سينال شهرة كبيرة ذات يوم، فقد أصبحت حكايته حديث القرية طوال سنين.. بذقن طالت كثيراً وبملابس رثة التقيت هشام على مقربة من البئر القديمة للقرية وألقى على مسمعي سؤالاً بعمر الطفولة كان لم يزل يكبر داخله: متى تعود؟

خالد اللوباني