يقال إن »الفتاة في ليلة زفافها تستحوذ على حُسن سبع من بنات عمومتها« هكذا جرت التقاليد بترديد تلك العبارة لمجاملة العروس.

وذلك القول قطعا ينطبق على نورة الفتاة الحسناء. وحين أقبلت عروسا في ثوب مرصع باللآلئ، يشع ببريق الأحجار الكريمة يخترق انعكاسها زغاريد الأخوات والصويحبات والنساء، رددت النسوة عبارات الإعجاب والاستحسان مع إطلالة العروس كانت نورة فاتنة فائقة الجمال من دون زينة فكيف حين تكون في ليلة عمرها، تحفها حسب المعتقد أنوار الملائكة. تهادت نورة في مشيها بقدها الممشوق كما أوصتها شقيقاتها لتحظى جميع النسوة بتأمل حسنها.

مؤكدات أن المدعوات لا يحضرن من أجل الوليمة وما يُصف على الموائد من أنواع الطعام والحلويات، وإنما للفرجة على العروس وتقييم مستوى جمالها وأناقتها وتقدير كلفة فستانها وتصميمه، كما جرت عادة الفراغ وتقاليد الثرثرة المعتادة في مثل هذه المناسبات. تدرك ذلك جميع الأسر ويرفضونه لكنهم لا يسقطونه من اعتبارهم مراعاة لكلام الناس الذين إرضاؤهم غاية لا تدرك.

كانت نورة تحمل إكليلا من الزنبق معقودا بسلسلة من حبات الكريستال البراقة وتجر خلفها طرحة من الدانتيل المطعم بفصوص ماسية، وتزرع ابتسامة في كل الوجوه المتطلعة بل المتفحصة لقوامها وشعرها وعينيها، متجاهلة ذلك الخفقان الذي يعلو بصدرها ويهبط رهبة من المشهد والحشد لولا حجم الثقة في جمالها الذي وهبها إياه الخالق بلا حاجة إلى مساحيق، وأضمرت الفتاة في نفسها نية تتعلق بشقيقة تصغرها مباشرة وألقت نظرة خجولة على إكليلها البديع، ثم رفعت نظرها مكملة طريقها نحو (الكوشة) حيث سينتهي بها المطاف بعد لحظات إلى انتظار رفيق العمر.

ما زالت نورة تخطو بهدوء متيحة أقصى مدى للعيون المعلقة فيها من النظر إليها، تلفتت إلى كل جهة من قاعة الحفل وتمهلت في الانتقال إلى الجهة الأخرى، كانت تنقل قدميها المخضبتين بزخارف الحناء بروية وغنج، يخطف أنظار النسوة ليتمعنّ في كل التفاصيل حتى الحذاء الفضي اللامع لم يستثن من التقييم. كان بين المقعد الوردي على الكوشة وبين العروس خطوة واحدة توقفت ثم استدارت وقد أتمت الجزء الصعب من اختبار التجربة.

كانت تهم بالجلوس حين أطلقت صرخة فزع وهلع تستغيث بأمها وهي تصيح »لا أرى شيئا لقد عميت يا أمي« ارتجت القاعة واكفهر الوقت وانقلبت الفرحة وساد الهرج والمرج وتداخلت التعليقات وعم اللغط، تماسكت الأم وأقبلت مرتجفة تحاول السيطرة على نبرتها ووقارها تناولت مكبر الصوت من المطربة ثم استعاذت بالله من الشيطان الرجيم سمت وتلت المعوذات ثم سلمت ودعت الحاضرات إلى التوجه فورا للتوضأ للصلاة فقد أدركت أن الفتاة قد أصيبت بالعين وقد لحقها الحسد. تدافعت النسوة على دورات المياه بين مصدقة وذاهلة، وبين دامعة ومصدومة.

وبقيت الأم تحتضن فلذة كبدها ولا تقوى على مواساتها، قد فقدت الفتاة بصرها، هكذا أُبلغ العريس وهو يستعد للدخول إلى عروسه نظر إلى حسنها تأملها امتص الصدمة، حبس دموعه ثم قال »إنها حظي وهذا هو نصيبي، استأذنكم بأخذ عروسي«. كيف تعايش الزوجان مع الحدث، وكيف أنجبت نورة خالد وأخويه، وكيف قامت برعايتهم وهي كفيفة؟

لكنه الاحتساب عند الله هكذا كان زوجها الحنون يردد على مسامعها، لكن نورة لم تكف عن الابتهال إلى الله كلما أصبحت وأمست في حديثها اليومي مع والدتها الرؤوم، أن يعيد الله إليها بصرها لترى وجوه من أنجبتهم في العتمة. وحين جاء صباح السنة الخامسة كانت نورة تنهض من فراشها.

كما اعتادت، مدت يدها إلى عصاها وهي تتلمس الجدار لتصل إلى مقبس النور لكي لا يصطدم بها أحد، وما كاد النور ينتشر حتى أطلقت صرخة قوية اسقطتها وألقت بعصاها بعيدا.. هل تشبه صرخة الكوشة؟ إنها صيحة فرحة هذه المرة.. »لقد أبصرت لقد أبصرت يابو خالد«.. ولم تنتظر حتى يستوعب البشارة، وهرعت إلى الهاتف متلهفة ومرتعشة ومضطربة من غبطة لا تصدق، ستزف البشارة إلى أمها الحبيبة المحزونة، كان شقيقها من أجاب.. صاحت بفرحة جامحة أين أمي؟ تكاد الفرحة تمزق الأسلاك وتحطم الهاتف حين أوقفها جواب أخيها أمك؟ أمك يا أختاه.. أسلمت الروح إلى بارئها فجر اليوم.

فاطمة الهديدي